أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل 5829 وفاة و84553 إصابة بحوادث الطرق في مصر خلال 2025، قبل أن تعيد فاجعة الدواويس بالإسماعيلية الملف إلى الواجهة، بعدما خلف التصادم 18 وفاة و31 إصابة بين العمال.
وكشفت مأساة الدواويس أن مليارات الإنفاق على الطرق لم تتحول إلى ضمانة لحياة مستخدميها، بينما تترك منظومة النقل عمال الزراعة واليومية للفقر ووسائل النقل البدائية، فيدفعون ثمن ضعف الرقابة بأجسادهم أثناء رحلة البحث عن الرزق.
الأرقام تكشف الفشل
وبحسب النشرة الرسمية، ارتفعت وفيات حوادث الطرق بنسبة 10.8% خلال 2025 مقارنة بعام 2024، وصعدت الإصابات بنسبة 10.7%، وهي زيادة تضع الخطاب الحكومي عن تطوير الطرق أمام اختبار النتائج الفعلية لا أمام صور الافتتاحات وحدها.
وفي المقابل، يعني مجموع الوفيات والإصابات أن عشرات الآلاف دخلوا سنويا دائرة الفقد أو العلاج أو العجز، بينما لا تكشف المؤشرات عن تحسن يوازي حجم الإنفاق المعلن، بل عن اتساع فاتورة بشرية تتحملها الأسر بصورة مباشرة.
كما أظهرت البيانات أن الدقهلية سجلت العدد الأعلى من الإصابات بواقع 17975 حالة، بينما كان الأطفال ومن هم دون 15 عاما الفئة الأكثر تضررا بنحو 29101 مصاب، بما يكشف هشاشة الحماية الممنوحة لصغار السن على الطرق.
ومن ناحية أخرى، بلغت إصابات الذكور 69003 حالات مقابل 15550 للإناث، وجاء المشاة في مقدمة الضحايا بحسب صفة مستخدمي الطريق، وهي أرقام تشير إلى أن الخطر لا يقتصر على قائدي المركبات بل يمتد إلى الجميع.
وفوق ذلك، قال أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، إن تكرار الحوادث يرتبط بأسباب فنية وإدارية، مؤكدا أن تطوير شبكة الطرق وحده لا يكفي من دون رقابة صارمة وإدارة واضحة للحركة.
وبالاستناد إلى طرح عقيل، تصبح الأزمة أبعد من جودة الرصف أو اتساع المحاور، لأن السرعات الزائدة وخلط الشاحنات بالمركبات وغياب الإجراءات الرادعة قادرة على تحويل الطريق الحديث نفسه إلى مساحة عالية الخطورة أمام مستخدميه.
وعلى هذا الأساس، تبدو الزيادة في أعداد الضحايا مؤشرا على فجوة بين الاستثمار في الإنشاء والاستثمار في السلامة، إذ يمكن بناء طرق جديدة بسرعة، لكن حماية الأرواح تتطلب إدارة يومية وصيانة ورقابة وإنفاذا مستمرا للقانون.
وفي السياق نفسه، انخفضت حوادث القطارات خلال 2025 إلى 170 حادثة مقارنة بنحو 220 في العام السابق، ما يوضح أن التراجع ممكن عندما تتحسن الإدارة، ويزيد التساؤل عن أسباب عجز منظومة الطرق عن تحقيق اتجاه مماثل.
الرقابة أضعف من الطرق
وبعيدا عن الأرقام المجردة، تتكرر على الطرق السريعة مشاهد السير العكسي والحمولات الزائدة والسرعات الخطرة، وهي مخالفات لا تحتاج إلى مشروعات بمليارات الجنيهات بقدر حاجتها إلى وجود رقابي قادر على المنع قبل وقوع الكارثة.
وإلى جانب ذلك، رأى مجدي صلاح الدين، أستاذ هندسة الطرق والمرور بجامعة القاهرة، أن المنظومة لا تنتهي بإنشاء الطريق، بل تشمل الرقابة وتصحيح الأخطاء والصيانة الدورية، محذرا من الاعتماد على كمائن ثابتة محدودة الفاعلية.
وبحسب صلاح الدين، فإن الإنفاق الكبير على الطرق يجب أن يقابله تطوير لنظام الرقابة نفسه، بما يشمل وسائل متابعة أكثر مرونة وقدرة على ضبط المخالفات الخطرة، بدلا من الاكتفاء برصدها بعد أن تتحول إلى حوادث وضحايا.
غير أن واقع الطرق يكشف أحيانا أن المخالفة يمكن أن تستمر حتى تصبح مألوفة، بينما يتحول تطبيق القانون إلى تدخل لاحق، وهو ما يجعل كلفة التقاعس أكبر كلما زادت السرعات وكثافة الشاحنات وعدد مستخدمي المحاور الجديدة.
وعلاوة على ذلك، تظهر مشكلة نقل العمال في سيارات نصف نقل وتروسيكلات أن الرقابة لا تواجه السلوك المروري فقط، بل تتعامل أيضا مع نمط نقل غير آمن أصبح مقبولا بحكم الفقر وغياب البدائل المنظمة والرخيصة.
ولذلك، فإن تحميل السائق وحده مسؤولية كل حادث يخفي جانبا من الخلل، لأن المركبة غير المناسبة والحمولة الزائدة وغياب التفتيش وساعات العمل القاسية كلها عناصر تصنع بيئة حادث قبل أن يبدأ السائق رحلته فعليا.
ومن ثم، يحتاج تقييم نجاح مشروعات الطرق إلى مؤشرات تتجاوز عدد الكيلومترات المنفذة، فتشمل الوفيات والإصابات ونقاط الخطر والاستجابة للطوارئ وحالة المركبات، وإلا ظل القياس الحكومي منفصلا عن التجربة اليومية التي يعيشها المواطن.
وبناء على ذلك، يصبح السؤال بعد كل حادث كبير هو لماذا لم تمنع المنظومة الخطر قبل التصادم، لا لماذا تحركت سيارات الإسعاف بسرعة بعده، فوظيفة السلامة الأساسية تقليل احتمال الحادث قبل حساب كفاءة التعامل مع نتائجه.
عمال يدفعون الثمن
أما في حالة عمال التراحيل والزراعة، فالمشكلة أشد قسوة لأن الرحلة نفسها جزء من شروط العمل، إذ ينتقل العمال فجرا في مركبات مخصصة للبضائع، من دون مقاعد آمنة أو أحزمة حماية أو رقابة كافية على الحمولة.
وفي هذا الإطار، وثق تقرير للمؤتمر الدائم للمرأة العاملة 289 حادث طريق خلال 2025 ألحقت أضرارا بعاملات التراحيل والزراعة، وهي حصيلة تجعل النقل غير الآمن واحدا من أخطر أشكال الانتهاك المرتبطة بالعمل غير الرسمي.
وفي واقعة المنوفية، لقيت 18 فتاة من العاملات بالزراعة حتفهن في حادث على الطريق الدائري الإقليمي، لتتحول أسماء الضحايا إلى شاهد على طبقة كاملة تضطر لقبول شروط نقل خطرة مقابل أجر يومي محدود.
وبعدها، أعادت حوادث أخرى في أسيوط والبحيرة والمنيا إنتاج النمط نفسه، من تكدس العمال والأطفال داخل مركبات محدودة الأمان، ثم سرعة أو خلل فني أو حمولة زائدة، لتنتهي الرحلة بإصابات جماعية أو وفيات.
وفي ضوء ذلك، لا يمكن فصل السلامة المرورية عن العدالة الاجتماعية، لأن العامل الذي لا يملك بديلا للنقل يقبل الخطر اضطرارا، بينما يظل صاحب العمل والجهات الرقابية خارج المركبة التي تحمل الأجساد وتتحمل وحدها الصدمة.
ومن زاوية أخرى، شدد أيمن الضبع، خبير السلامة المرورية، على أن مواجهة الحوادث تتطلب التعليم والرقابة والعقاب والردع معا، ودعا إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لسلامة الطرق تتولى تنسيق السياسات بين الجهات المختلفة.
وبالتالي، فإن إنشاء جهة مستقلة بصلاحيات واضحة قد يعالج تشتت المسؤولية بين المرور والنقل والمحليات والعمل، لكنه لن يكون كافيا من دون إلزام أصحاب الأعمال بتوفير نقل آمن ومنع استخدام مركبات البضائع لنقل البشر.
ولزيادة الحماية، ينبغي أن تخضع سيارات نقل العمال لفحص فني متكرر، وأن تحدد أعداد الركاب ومسارات الحركة وساعات القيادة، مع عقوبات فعلية على أصحاب المركبات وأصحاب الأعمال الذين يحولون التوفير المالي إلى مخاطرة بأرواح العمال.
وعليه، تبدو فاجعة الدواويس جزءا من نمط متكرر لا حادثا استثنائيا، لأن الضحايا خرجوا للعمل في ظروف نقل شبيهة بوقائع سابقة، بينما لم تنتج كثرة المآسي حتى الآن نظاما يضمن ألا تتكرر المذبحة بالطريقة نفسها.
وأخيرا، تكشف أرقام 2025 أن أزمة الطرق في مصر ليست نقصا في الأسفلت بقدر ما هي نقص في السلامة والرقابة والمساءلة، وأن قيمة أي طريق جديد تقاس بعدد الأرواح التي يحميها لا بحجم الخرسانة المنفقة عليه.

