حذر المركز المصري للحق في الدواء في القاهرة من توجه وزير الصحة خالد عبد الغفار إلى وقف استيراد الأنسولين الأجنبي، مؤكدا أن جودة مصادر الخام المحلية لا تبرر حرمان 13 مليون مريض من العلاج الموصوف.

 

ويحول خطاب الوزير أزمة دواء منقذ للحياة إلى مسألة توفير عملة صعبة، بينما يدفع المرضى والأطفال ثمن قرارات مالية لا تراعي اختلاف الاستجابة العلاجية، ولا تضمن استمرار الأصناف والجرعات التي استقرت عليها حالاتهم.

 

وقال عبد الغفار إن الإنتاج المحلي متوافر ويغطي احتياجات السوق، وإن الدولة لا تستطيع مواصلة استيراد الأنسولين مع وجود 4 مصانع، مضيفا أن من يريد المنتج الأجنبي يمكنه شراؤه على نفقته من الصيدليات.

 

وفي المقابل، تكشف هذه الصياغة تراجعا عن مسؤولية الدولة تجاه المرضى الخاضعين للتأمين الصحي والعلاج على نفقتها، لأنها تربط استمرار الدواء الموصوف بالقدرة المالية، لا بالتقييم الطبي واحتياجات الحالة الفردية.

 

وبحسب محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، تحتل مصر المركز التاسع عالميا بنحو 13 مليون مريض بالسكري، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الأنسولين تهديدا صحيا واسع النطاق.

 

كما أوضح فؤاد أن الاستيراد كان يمثل 60 بالمئة من الأنسولين مقابل 40 بالمئة للإنتاج المحلي خلال فترات سابقة، قبل دخول 4 شركات تنتج المستحضر محليا بمستوى جيد وبمواد خام من مصادر عالمية موثوقة.

 

غير أن جودة المادة الخام، وفق المركز، لا تعني أن كل المستحضرات النهائية متطابقة في خصائصها أو تغطي جميع الاحتياجات، إذ توجد أنواع وتقنيات حديثة غير متاحة محليا ويحتاج إليها مرضى وفقا لتشخيص أطبائهم.

 

وفوق ذلك، لا يجوز اختزال الاعتراض في انحياز ثقافي للمستورد، لأن الثقة العلاجية تبنى بالدراسات والمتابعة واستقرار الإمداد، لا بتصريح إداري يطلب من المريض تبديل دوائه أو تحمل ثمنه بعيدا عن التأمين.

 

جودة الخام لا تكفي

 

ويرى محمود فؤاد أن المشكلة تشمل ثقة المرضى وتوجيهات بعض الأطباء، لكنه شدد على أن تغيير الثقافة يحتاج زمنا وسياسة ممتدة، مع عدم منع الدواء الأساسي الذي قررت اللجان الطبية صرفه بجرعات ومواعيد محددة.

 

وبالتالي، يصبح حق المريض في الاستمرار على العلاج الذي شخصته اللجنة الطبية أصلا جوهريا، خصوصا عندما يكون التغيير مرتبطا بمخاطر اضطراب مستويات السكر أو تكرار نوبات الهبوط والارتفاع والحاجة لإعادة ضبط الجرعات.

 

إضافة إلى ذلك، أشار فؤاد إلى أن 68 بالمئة من المصريين مشمولون بالتأمين الصحي، وهو ما يعني أن تحميل المستفيد كلفة المستورد يفرغ التغطية من مضمونها ويخلق علاجا للفقراء وآخر للقادرين على الدفع.

 

ومن ثم، لا يعارض المركز دعم الإنتاج الوطني أو توسيع المصانع، لكنه يرفض تحويل الصناعة المحلية إلى ذريعة لإغلاق البدائل، لأن حق العلاج يقتضي توفير الأصناف الضرورية بالتوازي مع بناء الثقة في المنتج المصري.

 

ومن جهته، حذر الطبيب مصطفى جاويش من أن وقف استيراد الأنسولين الأجنبي يعني منع حق المريض في العلاج الناجع، حتى لو كانت المواد الخام المستخدمة محليا قادمة من مصادر عالمية وتخضع لمواصفات جيدة.

 

ويوضح جاويش أن الأنسولين مستحضر بيولوجي حساس، وأن المادة الخام تحتاج شروطا دقيقة في التداول وخطوط الإنتاج، ولذلك يظهر الفارق المحتمل في التكافؤ الدوائي للمنتج النهائي وليس في منشأ الخام وحده.

 

 

وعليه، لا تكفي عبارة المادة الفعالة واحدة لتقرير الاستبدال الجماعي، لأن نوع الأنسولين وسرعة مفعوله ومدة تأثيره وأداة الحقن وخطة الجرعات عناصر يوازن بينها الطبيب تبعا لعمر المريض ونمط حياته واستجابته.

 

كذلك يفرض أي انتقال بين المستحضرات متابعة لصيقة لمستويات السكر وتعليما للمريض بشأن الجرعة والتوقيت، بينما لا توفر تصريحات المنع خطة معلنة لهذه المتابعة أو ضمانات لتأمين الشرائط وأجهزة القياس اللازمة.

 

الاستبدال قرار طبي

 

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ أمراض الباطنة والسكري أسامة حمدي أن مريض النوع الأول يعتمد على الأنسولين للبقاء، وأن إدارة المرض تقوم على جرعات محسوبة ومراقبة مستمرة، لا على تبديل عشوائي تفرضه اعتبارات مالية.

 

وبناء على ذلك، فإن دعم المنتج المحلي ينبغي أن يمر عبر أدلة التكافؤ واليقظة الدوائية وتدريب الأطباء والمرضى، مع بقاء القرار العلاجي بيد الطبيب المختص، وليس عبر تعميم إداري يستبعد أصنافا يحتاجها بعض المرضى.

 

وفي الأثناء، اشتكت أسر أطفال مصابين بالسكري من النوع الأول من نقص بعض أنواع الأنسولين وشرائط القياس في فروع للتأمين الصحي بمحافظات مختلفة، محذرة من أن تأخر الصرف يعرض أبناءها لمضاعفات خطرة.

 

فضلا عن ذلك، قالت الأسر إن شراء المستلزمات خارج التأمين يتم بأسعار باهظة لا تتحملها ميزانياتها، كما تحدثت عن تأخر رد قيمة العلاج، بما يضاعف القلق اليومي المرتبط بمرض يتطلب متابعة بلا انقطاع.

 

ولهذا، فإن مطالبة الأسرة بشراء المستورد على نفقتها تتجاهل أن الأنسولين ليس سلعة تفضيلية، وأن بعض الأطفال استقروا على أنواع محددة بعد تجارب وضبط جرعات، وأي تغيير غير مراقب قد يربك السيطرة على السكر.

 

أما شرائط القياس، فهي جزء من العلاج وليست ملحقا اختياريا، لأن تعديل الجرعات والتعامل مع الهبوط والارتفاع يعتمدان على قراءة منتظمة، ومنعها أو تأخيرها يجعل توفير الأنسولين نفسه أقل أمانا وفاعلية.

 

شكاوى تهدد الأطفال

 

وفي المحصلة، تكشف الأزمة فجوة بين إعلان وجود فائض محلي وشكاوى النقص الفعلية، وهي فجوة لا تحل باتهام المرضى بسوء الثقافة، بل بنشر بيانات المخزون والتوزيع والأصناف المتاحة في كل فرع ومحافظة.

 

لذلك، يتعين على وزارة الصحة إعلان ما إذا كان الأمر قرارا رسميا بوقف الاستيراد أم توجها ماليا، وتحديد الاستثناءات الطبية وآلية التظلم وضمان عدم تغيير الوصفات المعتمدة إلا بموافقة الطبيب والمريض.

 

علاوة على ذلك، يجب إلزام التأمين الصحي بتوفير الأنسولين وشرائط القياس في مواعيدها، وإنشاء مسار عاجل للأطفال والحالات غير المستقرة، مع تحمل الدولة كلفة البديل المستورد عندما يثبت الطبيب ضرورته وعدم توافر مثيله.

 

وعمليا، يمكن تشجيع التصنيع المحلي عبر الشراء الحكومي والرقابة والبحوث المقارنة دون إغلاق السوق، لأن المنافسة وتعدد المصادر يحميان الإمدادات من التعطل ويمنحان الأطباء خيارات تناسب الفروق بين ملايين الحالات.

 

وأخيرا، لا تنفي عالمية خام الأنسولين المصري حق المريض في المستورد الموصوف، بل تضع على الوزارة واجب إثبات التكافؤ وضمان البدائل، فحماية العملة لا يجوز أن تتحول إلى مخاطرة بصحة 13 مليون إنسان.