وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

نظرة على مصر تظهر أصوات اشتباكات عنيفة ومتعاركين كُثر وضحايا وجناة وجرحى ومصابين. وعلى الرغم من كل هذا الصخب، لا توجد معركة واحدة حقيقية، إذ تستمر الأمور على ما هي عليه منذ 13 عامًا، مطاردًة لأشباح وقتال ضد أوهام وهلاوس تعشّش في الرأس طوال هذه السنوات. ربما كان الجهد كله منذ ذلك الصيف الدامي في العام 2013 منصبًّا على محاولة السيطرة على الجمهور والتحكّم في وعيه وحشده ضد هؤلاء الأشرار غير المرئيين الذين يتآمرون على الوطن والمواطن من دون كلل أو ملل، لحرمانه من نعيم الرخاء والتطوّر، غير أن هذه العملية باءت بالفشل، إذ لم ير الجمهور نعيمًا اقتصاديًا يأتي، فيما رأى أن الذين أفهموه أنهم ألد الأعداء الأشرار وقد تحوّلوا إلى أقرب الأصدقاء والشركاء والداعمين، فراح يسخر منهم ومن نفسه على سذاجته في الاستجابة السريعة لأجراس الإنذار بالخطر الذي لا يأتي.

 

هنا كان لابد من التحرك لإخضاع المساحات التي يتنفس منها الجمهور، وينفث فيه احتجاجه وسخريته اللاذعة لسيطرة الحكومة التي وجدت الوعي العام يتسرب من قبضتها على العقل المجتمعي، فبدأت على الفور عملية تأميم الفضاء الإلكتروني العام، وتحركت لفرض الحصار على جمهورية السوشال ميديا. ولأن الشيء لزوم الشيء فإن الذهاب إلى هذه الخطوة كان يستلزم إشعال بعض الحرائق المنظمة في حقول التواصل الاجتماعي الفسيحة، من خلال إلقاء كميات من المواد سريعة الاشتعال يتفاعل معها الرأي العام بحماس شديد، من خلال توليفة من الترندات السريعة الخاطفة تؤدي غرضها في إثارة الهلع على أخلاقيات المجتمع وقيمه، فتظهر من أول تلك السيدة التي لمعت في الفضاء الإلكتروني بهجوم شديد البذاءة على سياسات رسمية لا تقل بذاءة، قبل أن تنطفئ ويتم سحبها من الساحة سريعًا، وتتبعها ترندات أخف وزنًا تصدم المجتمع هذه المرة في القيم والأخلاقيات الأسرية، ناهيك عن فيديوهات السباب والتعرّي التي تبدو وكأنها وجبة يومية تفرضها جهة ما لاستنفار الجمهور .

 

في هذه الأثناء، جاءت حادثة المسيرة المجهولة التي أصابت ميناء دمياط، وبدأ الناس يتحدّثون عن الجد في مناخ كامل من الهزل السياسي الرسمي، ويطرحون الأسئلة المنطقية عن الجهة والهدف والتوقيت والكفاءة في مواجهة خطر حقيقي جاء هذه المرة من الخارج وأصاب هدفه، من دون أن يروا مقابل حرمانهم من التعبير ومن الكلام طوال كل هذه السنوات بحجّة أن الوطن في وضع الاستعداد الدائم للتصدي للمؤامرة الخارجية، فلما جاءت المؤامرة فعلًا لم يجدوا ما بُشِّروا به، فكان الكلام عن المسؤولية والمحاسبة والإهمال والغفلة وحدود القدرة.

 

وجد الجمهور الذي يطرح مثل هذه الأسئلة نفسه متّهمًا بالكفر بالوطن والتجديف بحق مقدساته، فكيف يسأل أو يستفهم والوطن في حالة طوارئ من أجل إحباط المؤامرة. وهنا ارتدت قوات الردع الإلكترونية الزي العسكري، وانتشرت اللجان في كل المواقع، تحت "ترند" واحد بالسترة العسكرية، بنات جميلات وغير جميلات من كل الأوزان والأحجام ورجال وشباب وعجائز لبسوا الدروع وحملوا الأسلحة ووقفوا صفوفًا على مواقع التواصل الاجتماعي يبلغون عن كل من يتساءل أين كانت الدولة حين جاءت مسّيرة وأحدثت كل هذا الخراب.. كيف والبلد في حالة حربٍ يمكن التساهل مع هذه الأسئلة.

 

هذه الجحافل التي تستعير خطاب الستينات وتسقطه على اللحظة الراهنة لم تنتبه إلي أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أقال رئيس أركان جيشه في ليلة حزينة مثل هذه، كان ذلك في العام 1969 في اليوم التاسع من سبتمبر في أثناء حرب الاستنزاف، حين وقع حادث الزعفرانة، عندما تسللت قوات كوماندوز إسرائيلية ونفذت عملية إنزال برمائي على ساحل البحر الأحمر في منطقة الزعفرانة، حيث ارتدى الجنود الصهاينة زي الجيش المصري لتمويه القوات والمواطنين وتحرّكوا مسافة تقارب 50 كيلومترًا على طول الطريق الساحلي، ودمّرت المنشآت العسكرية والرادارات ونقاط الحراسة المصرية في المنطقة من دون مقاومة. وكان اللواء أحمد إسماعيل علي يشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت. وعندما علم الرئيس عبد الناصر، أصدر قرارًا بإقالة اللواء أحمد إسماعيل علي من منصبه وإحالته إلى التقاعد ليس بسبب وقوع الحادث فحسب، بل لأنه طلب من التوجه فورًا إلى مكان الحادث لمعاينته وإدارة الموقف بنفسه، إلا أن أحمد إسماعيل اكتفى بالذهاب إلى مكتبه في القاهرة ومتابعة الأمر من هناك، وهو ما اعتبره عبد الناصر تقاعسًا عن أداء الواجب. وفصول القصة كاملة تجدها في مذكّرات الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية حينذاك، وكذلك في مذكرات الفريق سعد الشاذلي.

 

استدعاء مثل هذا الموقف ومقارنته بالوضع الحالي ربما يدخل صاحبه تحت طائلة غضب وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان وخططه المقترحة لمواجهة مخاطر الاستخدامات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، إذ يرى أن "ما يحدث على وسائل التواصل من ممارسات غير أخلاقية تتناول الأعراض وتشكك في الذمم يستدعي التعامل معها، لأنها ممارسات تهدد السلم المجتمعي"،.ليلتقط وزير وزير العدل الخيط منه ويعلن بصرامة "توجد ممارسات مغلوطة على وسائل التواصل أصبحت تمثل خطرا على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وعلاج ذلك تشريعيا يتطلب تغليظ العقوبات عبر زيادة الغرامات المالية المقررة في القوانين المنظمة لهذا الشأن". وهنا بيت القصيد كما أعلنته الحكومة ممثلة في وزارة الدولة للإعلام، والتي قالت إنها "تنسّق مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لرصد المخالفات التي تهدد أمن المجتمع أو تعتدي على حقوق أفراده وقيمه، ومواجهتها والتعامل معها وفقًا للقانون، بما في ذلك إمكانية لجوء الوزارة إلى الجهات القضائية المختصة".

 

ليت وزير الإعلام يلقي نظرة على برامج"التوك شوز" الليلية، ويقارن بين حجم السباب والبذاءات وتناول أعراض المعارضين وذممهم بالنهش، وبين محتوى الرائج على وسائل الاجتماعي، ويطبق عليها المعايير نفسها، غير أن هذا لن يحدث، لأن المطلوب ببساطة ضم مساحات "السوشال ميديا" لملكية المؤسّسة الحاكمة، بحيث لا يتنفس أحد.