على الرغم من أن ما حدث في 14 أغسطس يرتبط بما وصِف بأنها أسوأ مجزرة في تاريخ مصر الحديث في ميدان "رابعة العدوية" بمدينة نصر بالقاهرة، إلا أن ما شهده ميدان النهضة بالجيزة لا يقل بشاعة على الرغم من أن أعداد الضحايا أقل بكثير.

 

لكن ما تناقلته الكاميرات والفضائيات والصحف وقتها يكشف عن واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها قوات الأمن، حين أضرمت النار في خيام المعتصمين من أنصار الرئيس محمد مرسي وقتها، مما أدى إلى وفاة العديد منهم احتراقًا، وكانت الصور الخاصة بهم هي الأكثر تأثيرًا آنذاك من هول وبشاعة الجرم وقتها.

 

فقد تفحمت جثث الضحايا الذين لم يكن بوسعهم القدرة على الفرار من آلة البطش، والآليات والمجنزرات التي اقتحمت مقر الاعتصام الواقع على بعد أمتار قليلة من جامعة القاهرة، ليوثق واحدة من أفظع الجرائم التي شهدتها الإنسانية،  

 

شهادات حية
  
وفق شهادات الناجين، فإن قوات الأمن والآليات العسكرية بدأت بمحاصرة الميدان وفضه في الساعات الأولى من الصباح (حوالي الساعة السادسة فجرًا)، مما أحدث حالة من الذعر لسرعة تطويق المكان مقارنة بميدان رابعة.

 

 

ومن تلك الشهادات ما أوردته وكالة "الأناضول" نقلاً عن إسراء يحيى وهي واحدة من المعتصمات آنذاك، قائلة: "صوت الضرب والرصاص يكاد يصم الآذان، والقنابل تكاد تعمي الأعين وتصيب أحدهم بالاختناق فتودي بحياته في الحال، صرخات الأطفال، وتكبيرات النساء التى كانت تغطي أحيانًا على أصوات طلقات الرصاص". 

 

وتابعت إسراء التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 17 عامًا: "كأني أرى المشهد أمامي الآن، حفرته الذاكرة ولا أستطيع نسيانه، بدأت تعلو أصوات النساء بالتكبير، ثم بدأن الانتشار في الميدان لترديد بعض آيات الثبات، وتوزيع زجاجات المياه، والعصائر، والخل (لتخفيف تأثير قنابل الغاز المسيل للدموع)، ثم بدأنا في تقسيم أنفسنا على المصابين، وعمل مستشفيات ميدانية صغيرة، تقوم بالإسعافات الأولية للمصابين حتى يتم نقلهم إلى الأطباء".


وقال معاذ عمرو سميح، أحد المعتصمين بميدان النهضة لموقع (BBC) بالعربية: "كنت أشارك في اعتصام النهضة منذ بداياته وحسب ظروفي، كنت أقضي أيامًا وليال عدة هناك، إلا أنه بعد البيان الذي صرح فيه السيسي، وزير الدفاع، عن فشل التفاوض مع الاخوان قررت أن أبيت في ساحة الاعتصام".

 


وتابع: "كنت يقظًا صباح فض الاعتصام من حوالي الساعة الرابعة مع مجموعة من أصحابي الذين كانوا يشاركونني الخيمة. وعند الساعة الخامسة تقريبا سمعنا التكبير عبر مكبرات الصوت القادم من منصة الاعتصام. وأتذكر هذا الأمر جيدًا، لأن ذلك لم يكن من عادة منصة الاعتصام. وخرج الناس في حينها من خيمهم وتناقلوا خبر وصول بلطجية تستعد لفض الاعتصام".

 

وأردف: "وبالفعل هذا ما رأيته على حدود ساحة الاعتصام – مجموعة من البلطجية برفقة قوات الامن وسرعان ما ارتدينا كمامات الأنف. بدأ الهجوم على الاعتصام بالخرطوش والغاز المسيل للدموع حوالي الساعة السادسة والنصف بعد تدفق عناصر قوات الأمن على ساحة الاعتصام عن طريق حديقة الأورومان".

 

وقال سميح: "وكان أول المصابين والشهداء هم من المعتصمين الذين كانوا بحديقة الأورومان. أحصيت عشرين شهيدًا خلال عملية الفض، وعشرات المصابين من بينهم صديقي الذي أصيب برصاصة على كتفه. واستغرقت عملية الفض وقًتا أقل بكثير مقارنة برابعة العدوية لأن الهجوم كان من جهتين – من جهة حديقة الأورومان ومن جهة شارع النهضة".

 

ومضى متذكرًا أحداث فض الاعتصام بالنهضة، قائلاً: "بعد المشاركة في إسعاف المصابين، اتجهت أنا وكثير من المعتصمين إلى مبنى كلية الهندسة بجامعة القاهرة وراء منصة الاعتصام. إلا أن قوات الأمن والقناصة التابعة لهم حاصرتنا هناك وواصلت هجومها علينا بالخرطوش والذخيرة الحية الى حوالي الساعة السادسة مساء، مما أسفر، عن سقوط أربعة شهداء من حولي".

 

منظمات دولية ترصد المشهد

 

ووثقت منظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" شهادات تفيد بأن القوات أطلقت الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، وأن الممرات الآمنة المعلن عنها شهدت في بعض الأوقات إطلاق نار أو توقيف للمغادرين. وسجلت المنظمة مقتل 87 شخصًا على الأقل في محيط ميدان النهضة وحده جراء أحداث الفض.

 

وقالت إنه في حوالي الساعة السادسة صباحًا، طالبت قوات الأمن عبر مكبرات الصوت المتظاهرين بمغادرة الميدان، لكنها سرعان ما لجأت إلى إطلاق النار عليهم، بمن فيهم أولئك الذين حاولوا الخروج من المخرج "الآمن" المُحدد. 

 

وصف شهود عيان كيف أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين عمدًا وعشوائيًا، مستخدمةً الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش والذخيرة الحية. ومع لجوء بعض المتظاهرين إلى مبنى كلية الهندسة بجامعة القاهرة المجاورة، تصاعدت أعمال العنف، حيث أطلق رجال الأمن النار على المتظاهرين المتحصنين داخل المبنى. 

 

وأوضحت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" في تقرير أصدرته بعنوان "أسابيع القتل" أن فض اعتصام النهضة استغرق نحو ساعتين (وهو وقت أقل بكثير مقارنة باعتصام رابعة) وأسفر عن سقوط 87 ضحية. وانتقد التقرير لجوء الأمن للقوة الغاشمة ضد المعتصمين. 

 

في الوقت الذي أشار فيه التقرير الصادر عن اللجنة القومية لتقصي الحقائق التابعة للمجلس القومي لحقوق الإنسان إلى وجود مستويات من تبادل النيران المسلحة والمقاومة من قِبل بعض العناصر داخل الاعتصام، مما دفع قوات الأمن لاستخدام القوة. 

 

ومع ذلك، سجل التقرير مآخذ على الأداء الأمني تمثلت في "إخلال القوات بالتناسبية" وكثافة إطلاق النيران، وضيق الوقت الممنوح للمغادرة بعد النداء الأول.