تضخ وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة نحو 15 مليار جنيه لإنشاء 4 خطوط كهرباء وتوسعة محطة محولات العلمين بجهد 500 كيلوفولت، ضمن خطة تفريغ القدرات المنتظرة من محطة الضبعة النووية، على أن يكتمل التنفيذ بنهاية 2026.
وفي المقابل، واجه مواطنون في 9 محافظات انقطاعات استمرت بين ساعة و4 ساعات، إلى جانب أعطال متكررة وفصل للتيار عن قرى أخرى للصيانة، بما يكشف التفاوت بين سرعة تمويل المشروعات الكبرى وهشاشة شبكات التوزيع التي تخدم السكان.
15 مليارًا لتفريغ الضبعة
تتضمن الخطة إنشاء 4 خطوط كهرباء وتوسعة محطة محولات العلمين بجهد 500 كيلوفولت، بإجمالي تكلفة معلنة تبلغ 15 مليار جنيه، بهدف تفريغ القدرات التي ستنتجها محطة الضبعة النووية وربطها بالشبكة القومية للكهرباء.
وتضم محطة الضبعة 4 مفاعلات نووية يجري تنفيذها في وقت واحد، بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات. وتتوقع وزارة الكهرباء أن يسهم المشروع بعد تشغيله في توفير نحو 7.902 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا.
وبذلك، لا تمثل الخطوط الأربعة محطات جديدة لتوليد الكهرباء، كما أنها لم تُعلن بوصفها خطوطًا مخصصة للقرى السياحية، وإنما تأتي ضمن البنية اللازمة لنقل إنتاج الضبعة النووية إلى الشبكة الموحدة وتوزيعه على مناطق الاستهلاك المختلفة.
غير أن ربط المشروع بمحطة محولات العلمين يضع منطقة الساحل الشمالي في قلب واحدة من أكبر عمليات تدعيم الشبكة، بالتزامن مع توسع الدولة في العلمين الجديدة ورأس الحكمة والمشروعات السياحية والعقارية التي تستهدف في معظمها أصحاب الدخول المرتفعة والمستثمرين.
وتشمل توسعة محطة محولات العلمين إضافة محولين يعملان بجهد 500/220/22 كيلوفولت، بسعة 750 ميجا فولت أمبير لكل محول. وتعاقدت الشركة المصرية لنقل الكهرباء مع شركة تيبي شنيانغ لتوريد المحولين واختبارهما والإشراف على تركيبهما.
وحددت مدة تنفيذ عقد توسعة محطة العلمين بنحو 19 شهرًا من تاريخ توقيعه في مايو 2025، بينما تستهدف وزارة الكهرباء إنهاء مشروع الخطوط الأربعة والتوسعة الشاملة بنهاية 2026، بما يسمح باستيعاب القدرات الإضافية وربطها بالشبكة القومية.
ولا يمثل الاستثمار في نقل طاقة الضبعة مشكلة في ذاته، إذ تحتاج المحطة النووية إلى شبكة قادرة على استقبال إنتاجها. لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في وصول أثر هذه المليارات إلى المواطنين، بدلًا من بقاء القدرات الجديدة خلف شبكات توزيع قديمة تتعطل عند ارتفاع الحرارة والأحمال.
عقود موازية في الساحل
بالتوازي مع مشروع تفريغ قدرات الضبعة، وقعت الشركة المصرية لنقل الكهرباء عقدًا منفصلًا مع شركة الجمال للمقاولات لتنفيذ 4 خطوط هوائية مفردة الدائرة، بإجمالي أطوال يبلغ نحو 190 كيلومترًا، داخل نطاق الإسكندرية وغرب الدلتا.
ويتضمن العقد خطًا بطول 17 كيلومترًا بين محطة محولات الصناعية الثامنة ومحطة الجر الرابعة، وخطًا بطول 69 كيلومترًا بين محطة محولات برج العرب الترفيهية ومحطة الجر الخامسة.
ويشمل المشروع كذلك خطًا بطول 50 كيلومترًا يربط محطة محولات الضبعة بمحطة الجر العاشرة، إلى جانب خط رابع بطول 54 كيلومترًا بين نهاية القطاع الثامن ومحطة الجر العاشرة، على أن يتم التنفيذ خلال 7 أشهر.
وترتبط هذه الخطوط بمحطات الجر ومشروعات النقل الكهربائي بغرب الدلتا والساحل، ولذلك لا يجوز دمجها حسابيًا مع مشروع الخطوط الأربعة البالغة تكلفته 15 مليار جنيه من دون مستند رسمي، إذ يتعلق الأمر بعقد منفصل لم تُعلن قيمته في البيانات المنشورة.
كما خصصت خطة شركة البحيرة لتوزيع الكهرباء للعام المالي 2025/2026 نحو 320 مليون جنيه لمشروعات الكهرباء في مطروح والساحل الشمالي، منها 190 مليون جنيه لقطاع مطروح و130 مليونًا لقطاع الساحل.
وافتتحت الشركة موزع توسعة بمحطة محولات العلمين القديمة بتكلفة تقارب 56 مليون جنيه، وقالت إن المشروع يستهدف تأمين التغذية الكهربائية للمشروعات التنموية والاستثمارية بمدينة العلمين والمناطق المحيطة، ومواكبة التوسعات العمرانية الحالية والمستقبلية.
وتكشف هذه العقود أن الساحل لا يحصل على مشروع واحد فقط، بل يشهد حزمة متوازية من توسعات النقل والتوزيع ومحطات المحولات وخطوط تغذية مشروعات الجر. وهي أولوية لا تنفصل عن سباق الاستثمار العقاري والسياحي الممتد من العلمين إلى رأس الحكمة.
وفي الوقت الذي تُنجز فيه البنية الكهربائية قبل اكتمال المدن والمنتجعات الجديدة، لا تزال مناطق سكنية قديمة تنتظر إصلاح المحولات والمغذيات بعد وقوع الأعطال، ويُطلب من سكانها تدبير احتياجاتهم خلال ساعات فصل التيار للصيانة.
9 محافظات تواجه الانقطاع
خلال أبريل 2026، اشتكى مواطنون في 9 محافظات من انقطاع الكهرباء لمدد تراوحت بين ساعة و4 ساعات، وشملت الشكاوى القاهرة والجيزة والدقهلية والشرقية والغربية والقليوبية والبحيرة وكفر الشيخ وقنا.
وأدت الانقطاعات، وفق شكاوى السكان، إلى تعطيل مذاكرة الطلاب خلال موسم الامتحانات، وتلف أجهزة كهربائية ومواد غذائية. وفي بعض المناطق تضررت مطاعم ومحال دواجن وأسماك وصيدليات وعيادات بسبب توقف أجهزة التبريد.
كما شهدت مناطق بالغردقة وفيصل والسيدة عائشة انقطاعات لعدة ساعات خلال يوليو، وأرجعت الشركة القابضة لكهرباء مصر تلك الوقائع إلى أعطال فنية مفاجئة أصابت شبكات التوزيع نتيجة ارتفاع الأحمال ودرجات الحرارة.
ونفت الشركة وجود خطة رسمية لتخفيف الأحمال، مؤكدة أن الانقطاعات ناتجة عن أعطال طارئة أو أعمال صيانة. لكن المواطن لا يستفيد من تغيير المسمى، فالنتيجة واحدة عندما يتوقف التيار وتتلف الأجهزة والطعام وتتأثر الأعمال اليومية.
كذلك أعلنت شركات الكهرباء فصل التيار لمدة تصل إلى 5 ساعات عن قرى ومناطق في كفر الشيخ والبحيرة والشرقية، لإجراء أعمال الصيانة الدورية ورفع كفاءة المحولات والمغذيات، بينما تسبب عطل مفاجئ في فصل الكهرباء عن 7 قرى بالمنوفية.
وتتزامن مشروعات الساحل مع ضغوط معيشية متزايدة، إذ رفعت الحكومة أسعار بعض شرائح الكهرباء المنزلية والتجارية، بينما توقعت تقديرات اقتصادية ارتفاع التضخم السنوي في المدن إلى 15.6% خلال يوليو مقابل 14.3% في يونيو.
وتنتقل زيادة الكهرباء إلى أسعار السلع والخدمات عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل، ليجد المواطن نفسه مطالبًا بسداد فاتورة أعلى، ثم دفع الزيادة نفسها داخل ثمن الطعام والدواء والمواصلات، بينما تتآكل الأجور أمام الغلاء.
ولا تكمن الأزمة في تدعيم شبكة العلمين أو ربط محطة الضبعة، بل في غياب العدالة بين شبكة تحظى بمليارات وخطط استباقية، وشبكات تخدم ملايين المواطنين ولا تتحرك إليها الاستثمارات الكافية إلا بعد الأعطال والشكاوى.
فإذا كانت الدولة قادرة على تخصيص 15 مليار جنيه وإنهاء خطوط ومحولات عملاقة وفق جداول زمنية محددة، فإن ترك قرى وأحياء كاملة أمام الانقطاعات المتكررة لا يمكن تبريره بنقص الإمكانات، وإنما يكشف خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات وتوزيع الإنفاق.

