تحل في 14 أغسطس 2026 الذكرى الثالثة عشرة لمجزرتي رابعة العدوية والنهضة، بينما لا تزال العدالة غائبة، ولم يخضع المسؤولون عن قتل أكثر من 900 شخص موثق للمحاسبة.

 

وفي المقابل، تواصل أسر الضحايا والمعتقلون والمختفون قسريًا والمنفيون دفع ثمن واحدة من أكثر وقائع القتل الجماعي دموية في تاريخ مصر الحديث، وسط صمت دولي وتضييق مستمر على كل محاولة للتوثيق أو إحياء الذكرى.

 


 

 

يوم تحول إلى مجزرة

 

في صباح 14 أغسطس 2013، بدأت قوات من الجيش والشرطة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، مستخدمة المدرعات والجرافات والذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع. وخلال ساعات، تحولت ساحتان امتلأتا بالمتظاهرين إلى مسرح للقتل والحرائق والجثث، بينما عجزت المستشفيات الميدانية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين.

 

لم تكن العملية فضًا أمنيًا محدودًا، بل هجومًا واسعًا سبقته استعدادات وحشود وتحذيرات من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. وأظهرت شهادات ناجين وتقارير حقوقية إطلاق النار على متظاهرين عزل، واستهداف أشخاص حاولوا إسعاف المصابين أو مغادرة الميدان، فضلًا عن إحراق خيام ومنشآت ووجود جثث متفحمة بعد انتهاء العملية.

 

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا في ميدان رابعة وحده، ورجحت أن العدد الفعلي تجاوز ألف قتيل. كما قُتل 87 شخصًا على الأقل خلال فض اعتصام النهضة، بينما شهدت محافظات ومناطق أخرى وقائع عنف دامية بالتزامن مع العملية وخلال الأيام المحيطة بها.

 

وبين الضحايا نساء وأطفال وصحفيون وأطباء وطلاب وآباء وأمهات خرجوا للاعتصام أو شاركوا في إسعاف المصابين. وتحولت أسماء مثل أسماء البلتاجي، والصحفية حبيبة عبد العزيز، ومصعب الشامي، وغيرهم، إلى شواهد إنسانية على جريمة لم تستهدف أرقامًا مجهولة، بل أنهت حياة أشخاص لهم أسر وأحلام ومستقبل.

 

وحمّلت تقارير حقوقية كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين مسؤولية التخطيط للعملية وتنفيذها، وكان عبد الفتاح السيسي يشغل وقتها منصب وزير الدفاع. ومع ذلك، لم يُفتح تحقيق مستقل وشفاف في سلسلة إصدار الأوامر أو قواعد استخدام القوة، ولم يمثل المسؤولون الحقيقيون أمام قضاء يضمن محاكمة نزيهة.

 

 

ضحايا يعاقبون مرتين

 

بعد 13 عامًا، لم تحصل أسر القتلى على الحقيقة أو التعويض أو الاعتراف الرسمي بحقوق ذويها، بل تعرض بعضها للملاحقة والمضايقات بسبب محاولات إحياء الذكرى أو المطالبة بالتحقيق. وأصبحت صور الضحايا أو الإشارة إلى المجزرة سببًا محتملًا للاستدعاء الأمني أو الاتهام أو الحبس.

 

وبدلًا من محاكمة المسؤولين عن القتل، خضع مئات الناجين والمتظاهرين لمحاكمات جماعية انتهت بأحكام مشددة، من بينها السجن المؤبد والإعدام. وانتقدت منظمات دولية تلك المحاكمات بسبب افتقارها إلى ضمانات العدالة واعتمادها على اتهامات جماعية، بينما لم تُفحص الأدلة المتعلقة بمقتل المعتصمين بالجدية نفسها.

 

كما امتدت تداعيات المجزرة إلى السجون، حيث اعتُقل آلاف المعارضين خلال السنوات التالية، وتكررت الشكاوى من التعذيب والحبس الانفرادي والإهمال الطبي والحرمان من الزيارة. وتوفي عدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية داخل محبسهم أو عقب تدهور حالتهم الصحية، وسط اتهامات للسلطات بالتقاعس عن توفير الرعاية اللازمة.

 

ولا يزال ملف المختفين قسريًا يمثل أحد أكثر وجوه الأزمة قسوة، إذ تعيش أسر كثيرة بين احتمالات الحياة والموت، من دون معلومات موثوقة عن أماكن احتجاز ذويها. ويؤدي إنكار وجود المحتجزين أو تأخر ظهورهم أمام جهات التحقيق إلى إغلاق الطريق أمام الرقابة القانونية والمحاسبة.

 

أما الذين اضطروا إلى مغادرة مصر، فقد واجه كثير منهم مشكلات الإقامة والعمل وتجديد جوازات السفر والحصول على الحماية القانونية. وتحولت سنوات المنفى إلى عقوبة ممتدة، بعدما حُرموا من العودة الآمنة إلى بلادهم، وعاش بعضهم مهددًا بالترحيل أو فقدان وضعه القانوني.

 

ولا تقتصر معاناة الأسر على الجانب القانوني، إذ تحملت أمهات وزوجات وأبناء الضحايا أعباء اقتصادية ونفسية مضاعفة. وفقدت عائلات مصادر دخلها، بينما لم تتلق أي دعم رسمي أو تعويض، واضطرت إلى مواجهة الفقر والوصم الاجتماعي والملاحقة وحدها.

 

 

العدالة تبدأ بالتوثيق

 

يتطلب إنصاف الضحايا إنشاء قاعدة بيانات موحدة وموثقة تضم أسماء القتلى والمصابين والمعتقلين والمختفين، إلى جانب شهادات الأسر والناجين والتقارير الطبية والصور والمواد المصورة. فالتوثيق المهني يحمي الأدلة من الضياع، ويمنع اختزال المجزرة في أرقام متضاربة يسهل التشكيك فيها.

 

كما تبرز الحاجة إلى صندوق مستقل لدعم أسر الضحايا، يوفر مساعدات مالية ورعاية نفسية واستشارات قانونية، بعيدًا عن الاستغلال أو الصراعات التنظيمية. فالعدالة لا تقتصر على محاكمة المسؤولين، بل تشمل حماية الأسر وتعويضها وضمان حصول الأبناء على التعليم والرعاية والحياة الكريمة.

 

ويجب كذلك بناء شبكة قانونية لمساندة المعتقلين والمختفين والمنفيين، ورفع ملفات موثقة أمام الآليات الدولية والمحاكم التي تسمح قوانينها بالنظر في الجرائم الجسيمة. ويتطلب ذلك عملًا طويل النفس، قائمًا على الأدلة والشهادات المحققة، لا على الشعارات الموسمية وحدها.

 

ولا يمكن للمجتمع الدولي الاستمرار في التعامل مع المجزرة باعتبارها صفحة أُغلقت، بينما تتواصل آثارها يوميًا. فالعلاقات والمصالح الأمنية والاقتصادية لا تبرر تجاهل مطالب الضحايا، ولا تمنح المسؤولين عن القتل حصانة دائمة من التحقيق والملاحقة.

 

تبقى رابعة جرحًا مفتوحًا لأن الحقيقة لم تُعلن كاملة، والضحايا لم يُنصفوا، والمسؤولين لم يُحاسبوا. وبعد 13 عامًا، لم تعد الذكرى مناسبة للبكاء وحده، بل اختبارًا للقدرة على حفظ الأدلة ودعم الأسر وبناء مسار جاد نحو عدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم.