أوقفت إدارة شركة مصر العامرية للغزل والنسيج تشغيل الأقسام الإنتاجية لأجل غير مسمى في الإسكندرية بعد إضراب استمر 12 يومًا، ما أغلق الأبواب أمام العمال وأثار اتهامات باستخدام الصيانة والجرد لمعاقبتهم على المطالبة بحقوقهم.
ويكشف القرار كيف تتحول أدوات الإدارة في مصر إلى وسيلة ضغط على أصحاب الأجور، بينما تقف أجهزة الدولة في محيط المصنع بدلًا من ضمان تفاوض عادل يحمي الأسر من الابتزاز المعيشي والتهديد الأمني.
وبحسب روايات ثلاثة عمال، أوقفت الإدارة صباح السبت سيارات نقل العاملين من مناطق إقامتهم، واضطر بعضهم إلى الوصول على نفقتهم الخاصة، قبل أن يفاجأوا بالأبواب المغلقة ومنعهم من دخول مقر عملهم.
وبالتوازي، توجه عدد من العمال إلى قسم شرطة العامرية لتحرير محضر إثبات حالة، تمهيدًا لتقديم شكاوى إلى مكتب العمل بالهانوفيل، بهدف توثيق حضورهم واستعدادهم للعمل ومنع تحميلهم مسؤولية توقف الإنتاج.
وبالتزامن، أظهر مقطع مصور انتشارًا كثيفًا لقوات الشرطة وسيارات الأمن المركزي حول الشركة، وهو مشهد يضاعف مخاوف العمال من تحويل خلاف يتعلق بالأجر والعلاوة إلى قضية أمنية بدلًا من حلها بالتفاوض.
ووفقًا للعمال، بدأ الإضراب احتجاجًا على احتساب العلاوة الخاصة بنسبة 12% من الأجر الأساسي، بدلًا من الأجر التأميني، رغم تعهد سابق من الرئيس التنفيذي محمد عبد السلام باعتماد الأجر التأميني أساسًا للحساب.
كذلك تمسك العمال بضم 7% من العلاوة إلى الأجر الأساسي، معتبرين أن طريقة الاحتساب الحالية تنتقص من الزيادة المستحقة وتفرغها من أثرها، خصوصًا مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متواصلة.
إداريًا، قالت الشركة إن وقف التشغيل يستهدف تنفيذ أعمال صيانة وجرد للمخازن، وقصرت الحضور على من يجري استدعاؤهم لهذه المهام، مع وعد بصرف الرواتب والأجور التي يقررها القانون في مواعيدها.
إغلاق يثير شبهة العقاب
لكن العمال قرأوا صياغة القرار وتوقيته باعتبارهما رسالة تهديد مباشرة، بعدما نقل إليهم مديرون طوال أيام الإضراب أن استمرار الاحتجاج سيقود إلى إغلاق المصنع وحرمانهم من البدلات وحافز الإنتاج ومقابل الجهد.
وبينما تصر الإدارة على توصيف الإغلاق بإجراء تنظيمي، يشدد العمال على أن الصيانة والجرد لا يبرران وقف جميع الأقسام لأجل غير مسمى، ولا يفسران وقف وسائل النقل ومنع الحاضرين من إثبات جاهزيتهم للعمل.
ويؤكد أحد العمال أن التهديد كان صريحًا بربط استمرار الإضراب بخفض الدخل إلى الراتب الأساسي وحده، موضحًا أن زملاءه رفضوا تشغيل الأقسام قبل تنفيذ المطالب التي سبق أن قدموها إلى الإدارة.
في غضون ذلك، قال عامل آخر إن مسؤولين بالشؤون القانونية هددوا بإبلاغ الأمن الوطني عن المشاركين، وإنه رد بأن إنهاء الاحتجاج لا يحتاج إلى ضغط أمني، بل إلى تنفيذ المطالب التي دفعت العمال للإضراب.
قانونيًا، يرى أشرف الشربيني المستشار القانوني لدار الخدمات النقابية والعمالية أن الصيانة والجرد سببان يرجعان إلى صاحب العمل، وليسا قوة قاهرة خارجة عن إرادته، بما يحفظ للعمال حقهم في الأجر الكامل.
واستنادًا إلى المادة 111 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، يستحق العامل أجره كاملًا إذا حضر في موعده وكان مستعدًا للعمل، ثم منعته أسباب تعود إلى صاحب العمل من مباشرته.
وعلى هذا الأساس، يدعو الشربيني العمال إلى إثبات الحضور وذكر تزامن القرار مع الإضراب في شكاواهم، لأن توثيق الوقائع يمنع الإدارة من تصوير الغياب كقرار عمالي، ويدعم مطالبتهم بكامل الأجر دون انتقاص.
وفوق ذلك، لا تحسم عبارة صرف الأجور التي يقرها القانون مقدار المستحقات عمليًا، إذ يخشى العمال استخدامها لاستبعاد الحوافز والبدلات، وتحويل الإغلاق الإداري إلى خسارة شهرية تتحملها أسر لم تختر وقف المصنع.
الأجور في قلب النزاع
اقتصاديًا، يضع الباحث إلهامي الميرغني الاحتجاجات العمالية المتصاعدة خلال 2026 في سياق نفاد صبر العاملين أمام تدهور المعيشة وعلاقات العمل، وتراجع قدرتهم على توفير الاحتياجات الأساسية مع ضعف الحماية الفعلية.
وعند قراءة هذه الواقعة، لا تبدو مطالبة عمال العامرية بالعلاوة نزاعًا حسابيًا محدودًا، لأن اختيار الأجر الأساسي بدل التأميني يخفض قيمة الزيادة، ويعيد توزيع كلفة الأزمة على العامل الذي يواجه أسعارًا ترتفع أسرع من دخله.
وبالقياس إلى ذلك، تكشف أزمة العامرية فجوة بين الإعلان عن حقوق الأجر وبين تنفيذها داخل المصنع، كما توضح أن غياب التمثيل النقابي المستقل والفاعل يترك العمال في مواجهة منفردة مع قرارات الإدارة وضغوطها.
وعلاوة على ذلك، يثير حضور الأمن المركزي حول منشأة تشهد خلافًا عماليًا سؤالًا عن وظيفة الدولة، إذ كان الأولى توجيه أجهزة العمل والتفتيش إلى ضمان القانون، بدل إحاطة المحتجين بقوة توحي بأن المطالبة بالأجر تهديد أمني.
وتبعًا لذلك، يصبح الإغلاق لأجل غير مسمى إجراءً يتجاوز الصيانة المؤقتة، لأنه يضع رزق العمال تحت ضغط زمني مفتوح، ويمنح الإدارة قدرة على إنهاكهم ماليًا ونفسيًا حتى يتراجعوا عن مطالبهم دون اتفاق مكتوب.
وسبق أن شهد المصنع في أبريل إضرابًا دام 6 أيام للمطالبة بزيادة بدل المخاطر ورفع الرواتب بنسبة 25% من الأجر الأساسي ومعالجة مخالفات الحد الأدنى، قبل تعليقه عقب وعود جديدة من رئيس الشركة.
احتجاجات تتكرر بلا حلول
ومن جانبه، يحذر كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية في طرحه بشأن الأجور من أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الحد الأدنى، بل تمتد إلى ضعف الالتزام بتطبيق الحقوق حتى داخل جهات حكومية.
وقبل ذلك، أضرب العمال في نهاية فبراير بسبب زيادات مفاجئة في استقطاعات الضرائب والتأمينات من الرواتب، واستمر تحركهم حتى 3 مارس، ثم عادوا إلى العمل بعد وعد الإدارة بدراسة مطالب الأجور والبدلات.
وخلال عام 2025، امتد إضراب آخر داخل الشركة 16 يومًا احتجاجًا على ما سماه العمال تلاعبًا بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وانتهى باستقالة الرئيس التنفيذي السابق أحمد عمرو رجب تحت ضغط الأزمة.
ومع ذلك، قال العمال إن تعليق ذلك الإضراب جاء بعد تهديدات بالفصل وإبلاغ الأمن الوطني، رغم إعلان وزارة العمل نجاح المفاوضات، بما يكشف فجوة مزمنة بين الرواية الرسمية وتجربة العاملين داخل المصنع.
ولهذا، تشير الاحتجاجات المتعاقبة إلى أن الإدارة عالجت الأزمات بوعود مؤقتة وضغوط متكررة، دون تسوية جذرية لهيكل الأجور والبدلات، وهو ما أعاد الخلاف كلما ظهر استقطاع جديد أو علاوة مختلف عليها.
وبناءً على ذلك، تتمثل المسؤولية العاجلة لوزارة العمل في فحص قرار الإغلاق وحماية أجور العاملين كاملة، والتحقيق في شكاوى التهديد، وإلزام الإدارة بتفاوض علني ومحدد المدة يفضي إلى اتفاق مكتوب قابل للرقابة.
وأخيرًا، لا يختبر نزاع العامرية قدرة العمال على الصمود وحدهم، بل يختبر صدقية قانون العمل ومؤسسات الدولة، فإما حماية الحق في الأجر والاحتجاج، وإما تكريس الإغلاق والأمن وسيلتين لإجبار أصحاب الحقوق على الصمت.

