أعاد العالم المصري الدكتور عصام حجي فتح ملف إدارة المياه في مصر، بعدما رد على تصريحات وزير الموارد المائية والري بشأن اعتماد الوزارة على الأبحاث العلمية المحكمة، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي لاحترام العلم لا يكون في التصريحات، وإنما في الاستفادة من التحذيرات المنشورة قبل وقوع الأزمات.
وطرح حجي تساؤلات مباشرة حول أسباب عدم مراجعة خطط تصريف المياه في دلتا النيل، رغم نشر فريقه البحثي دراسة دولية عام 2022 حذرت من تداعيات ردم الترع والقنوات التاريخية والتوسع العمراني على القدرة الطبيعية للدلتا على استيعاب المياه وتصريفها.
وجاءت تصريحات حجي في أعقاب حديث وزير الري عن اعتماد الوزارة على الأبحاث المنشورة في المجلات الدولية، وعدم التفاتها إلى ما وصفه بـ«الضجيج والمزايدات أو الكلام الكثير والعلم القليل». وأعلن حجي اتفاقه مع مبدأ الاعتماد على العلم، لكنه تساءل عما إذا كان غمر مناطق في المنوفية والبحيرة خلال أكتوبر 2025 يمكن اعتباره أيضًا ضجيجًا، رغم وجود تحذير علمي سبق تلك الأحداث بنحو ثلاث سنوات.
دراسة حذرت من فقدان الدلتا قدرتها الطبيعية على التصريف
قال حجي إن فريقه البحثي نشر في نوفمبر 2022 دراسة في إحدى المجلات الدولية المتخصصة، تناولت التغيرات التي طرأت على شبكة القنوات المائية التاريخية في دلتا النيل. وأظهرت الدراسة، بحسب توضيحه، أن ردم أعداد كبيرة من الترع والقنوات، نتيجة التعديات العمرانية وشق الطرق والتوسع في البناء، أدى إلى فقدان أجزاء من الدلتا جانبًا من قدرتها الطبيعية على تصريف المياه.
ولم تتوقف الدراسة عند توثيق التغيرات المكانية التي أصابت شبكة القنوات، بل خلصت إلى ضرورة مراجعة خطط إدارة المياه وتصريفها، خصوصًا أن بعض هذه الخطط قد تكون بُنيت على خرائط وافتراضات تعود إلى شبكة قديمة لم تعد موجودة بالكامل على أرض الواقع.
وأوضح حجي أن استمرار تشغيل منظومة المياه وفق خرائط لا تعكس التغيرات العمرانية والهيدروليكية الحالية قد يؤدي إلى تقدير غير دقيق لقدرة المناطق المختلفة على استيعاب التصريفات. فالقنوات التاريخية لم تكن مجرد مجارٍ صغيرة يمكن الاستغناء عنها، وإنما كانت تمثل جزءًا من شبكة مترابطة تساعد على توزيع المياه وتمريرها وتقليل الضغط على مناطق بعينها.
وبناءً على ذلك، فإن ردم القنوات أو تغيير مساراتها لا يمثل مجرد تحول عمراني، بل يمكن أن يغيّر بصورة مباشرة خصائص التصريف داخل الدلتا. ومن هنا جاء تحذير الدراسة من أن إدارة المياه لا يمكن أن تظل معتمدة على تصور قديم لشبكة تعرضت لتغييرات واسعة خلال السنوات الماضية.
غمر المنوفية والبحيرة يعيد التحذير العلمي إلى الواجهة
أشار حجي إلى أن مصر شهدت في أكتوبر 2025 عمليات تصريف مائي من السد العالي، بالتزامن مع تصريف سد النهضة كميات كبيرة من المياه، بينما كانت منظومة التصريف تعمل في ظل التغيرات التي أصابت شبكة القنوات داخل الدلتا. وبحسب طرحه، فإن الاعتماد على خطط وخرائط قد لا تعكس الواقع الحالي أسهم في تعرض مناطق واسعة، من بينها مناطق في المنوفية والبحيرة، للغمر.
وشدد العالم المصري على أنه لا يدعي أن الدراسة تنبأت بالواقعة نفسها أو حددت موعد حدوثها، وإنما يؤكد أن الآلية التي حذرت منها ظهرت بوضوح على أرض الواقع. فالمقارنة بين نتائج الدراسة المنشورة عام 2022 وخريطة المناطق التي تعرضت للغمر في أكتوبر 2025 تكشف، وفقًا له، عن تطابق مكاني لافت.
وأوضح أن المناطق التي حددتها الدراسة باعتبارها الأكثر فقدانًا لشبكتها التاريخية من القنوات نتيجة الردم والتعديات العمرانية، كانت تقريبًا هي المناطق التي شهدت أكبر حالات الغمر. لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذا التطابق لا يثبت وحده وجود علاقة سببية مباشرة، ولا يعني أن الدراسة تنبأت بالحادث بعينه.
ومع ذلك، يرى حجي أن التطابق يمثل مؤشرًا علميًا قويًا يستحق الدراسة والمراجعة، لأنه يشير إلى احتمال مساهمة فقدان القنوات التاريخية في تقليل القدرة الهيدروليكية للدلتا على استيعاب التصريفات وتمريرها. كما يطرح تساؤلًا حول مدى صلاحية خطط التشغيل الحالية، وما إذا كانت البنية المائية للدلتا ما زالت تمتلك القدرة نفسها التي كانت تتمتع بها قبل ردم أجزاء واسعة من شبكة القنوات.
أسئلة عن المسؤولية وتجاهل الأبحاث قبل وقوع الأزمات
وجّه حجي مجموعة من الأسئلة إلى وزارة الري بشأن مصير الدراسة المنشورة عام 2022، وما إذا كانت نتائجها قد وصلت إلى المسؤولين ودوائر صنع القرار. وتساءل: إذا كانت الدراسة قد وصلت بالفعل، فلماذا لم تناقش تحذيراتها، ولماذا لم تؤخذ في الاعتبار عند تحديث خطط إدارة وتشغيل المياه في دلتا النيل؟
كما طرح سؤالًا بشأن المسؤولية عن عدم الاستفادة من التحذيرات العلمية، خصوصًا إذا ثبت أن تحديث الخطط وفق الواقع الجديد لشبكة القنوات كان يمكن أن يحد من المخاطر أو الخسائر التي تحملها المواطنون. فالمشكلة، بحسب طرحه، لا تتعلق بمجرد خلاف بين عالم ومسؤول، وإنما بآليات وصول المعرفة العلمية إلى مؤسسات الدولة، ومدى استعداد تلك المؤسسات لمراجعة سياساتها على ضوء نتائج جديدة.
وانتقد حجي وصف الأبحاث والتحذيرات المصاحبة لها بأنها «ضجيج ومزايدات»، معتبرًا أن هذا التصور قد يكون أحد أسباب عدم وصول الدراسات المهمة إلى صناع القرار. وأكد أن البحث العلمي المحكم يحتاج إلى سنوات من العمل والمراجعة، ولا يمكن وضعه في خانة المزايدات لمجرد أنه يطرح أسئلة محرجة أو يحذر من قصور محتمل.
واختتم حجي توضيحاته بالتأكيد على أن هدفه ليس توجيه اللوم، وإنما الدعوة إلى مراجعة المفاهيم الخاطئة وتغليب المصلحة العامة. كما دعا إلى قراءة أحدث أبحاث فريقه المنشورة في مجلة «Nature» حول تحديات قضايا المياه في أفريقيا، مشددًا على أن احترام العلم يبدأ بالاستماع إلى تحذيراته قبل وقوع الكارثة، لا باستدعائها بعد أن يدفع المواطنون الثمن.

