كشفت وزارة التنمية المحلية والبيئة تسجيل 7 بلاغات تخص مباني قديمة في القاهرة والبحيرة والغربية والسويس، عقب زلزال فجر الإثنين، شملت انهيارات جزئية وتصدعات وسقوط أجزاء إنشائية، وانتهت دون تسجيل وفيات مع أضرار مادية محدودة.
ويضع هذا الكشف الرواية الرسمية السابقة عن عدم وجود خسائر أمام اختبار جدي للمصداقية، إذ إن سلامة الأرواح لا تعني غياب الضرر، كما أن تقليل شأن البلاغات يضاعف قلق السكان الذين يعيشون داخل أبنية متقادمة.
وبحسب التقرير، تابعت غرفة سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة البلاغات بالتنسيق مع المحافظات وفرق الرصد، وهو ما يؤكد أن الوقائع لم تكن مجرد شكاوى متداولة، بل حالات انتقلت إليها أجهزة محلية ولجان هندسية.
وسجلت السويس انهيار جزء من سقف داخل منزل مكون من 4 طوابق بشارع النيل قرب مدرسة عمر مكرم، وهي واقعة تكتسب دلالة إضافية لقرب المحافظة من نطاق مركز الهزة المعلن.
أما الغربية، فتلقى المسؤولون فيها بلاغا بسقوط حجارة من أعلى منزل على سلك كهرباء بشارع الموناليزا في المحلة الكبرى، ما أدى إلى تحطم جزء من سيارة، من دون الإبلاغ عن إصابات بين المواطنين.
ومن جهة أخرى، توزعت 4 بلاغات بالقاهرة بين روض الفرج والخليفة ومنطقة تضم عقارا قديما والمرج، وتضمنت سقوط حوائط وأجزاء من عقارات وظهور تشققات وتصدعات، بما يعكس هشاشة بعض المباني أمام اهتزاز متوسط القوة.
وداخل روض الفرج تحديدا، سقط حائط بالدور الأول وآخر بالدور الثاني داخل عقار من أرضي و3 طوابق يعتمد على الحوائط الحاملة والأسقف الخشبية، وهو نمط إنشائي قديم يحتاج عادة إلى فحص دقيق بعد الاهتزازات.
كذلك شهد حي الخليفة بلاغا عن سقوط جزء من الحائط الجانبي وظهور تشققات وتصدعات بعقار مكون من أرضي و3 أدوار، بما يطرح تساؤلات عن أوضاع المباني القديمة داخل الأحياء التاريخية المكتظة بالسكان.
المباني القديمة تحت الاختبار
ويحذر أستاذ الهندسة الإنشائية بجامعة كاليفورنيا أيمن مسلم من الاكتفاء برد الفعل بعد الزلازل، مؤكدا أهمية التأكد من سلامة تصميم المباني وإشراف الجهات المختصة، لأن المشكلة تبدأ من جودة الإنشاء ومدى الالتزام بالاشتراطات الهندسية.
ومن جانبه، يرى مسلم أن وجود كود جيد وحده لا يكفي إذا لم يطبق فعليا، مطالبا بتصنيف المباني القديمة والأثرية وفقا لمستوى الخطورة، وهي رؤية تكتسب أهمية خاصة بعد ظهور الأضرار في عقارات متقادمة.
ورصدت البحيرة انهيار أجزاء من شرفة منزل قديم مكون من طابقين وخال من السكان عند مدخل مدينة حوش عيسى، وتحركت الوحدة المحلية والجهات الخدمية لتأمين الموقع ومتابعة الإجراءات الاحترازية اللازمة.
وبالتوازي، أثار بلاغ عن تصدع عقار بالعزبة البيضاء في المرج مخاوف السكان، لكن اللجنة الهندسية الثلاثية للعقارات الآيلة للسقوط انتهت بعد المعاينة إلى سلامة المبنى، وسمحت بعودة السكان إليه عقب انتهاء الفحص الفني.
ومع ذلك، فإن انتهاء بعض البلاغات من دون إصابات لا يلغي حقيقة أن الهزة كشفت نقاط ضعف قائمة بالفعل، خصوصا أن كثيرا من العقارات القديمة لا تحتاج إلى زلزال مدمر كي تظهر فيها آثار الإهمال المتراكم.
وإلى جانب ذلك، تزداد أهمية الوقائع لأن الحكومة وجهت سابقا بحصر العقارات الآيلة للسقوط وإنشاء قاعدة بيانات لها، ما يجعل السؤال بعد الهزة منصبا على حجم ما نفذ فعليا من تلك الخطط المعلنة.
الرقابة قبل الكارثة
ويؤكد أستاذ الهندسة الإنشائية بجامعة عين شمس محمود الكاتب أن تراخيص البناء والمراجعات الشكلية تمثل مشكلة خطيرة، داعيا إلى فحص حقيقي وتشديد تطبيق كود الزلازل، حتى لا تتحول المخالفات المتراكمة إلى تهديد مباشر للسكان.
وبالتالي، تكشف ملاحظات الكاتب أن الأزمة لا ترتبط بالزلزال وحده، بل بمنظومة البناء والصيانة والرقابة، لأن المبنى المتدهور يصبح أكثر عرضة للضرر، بينما لا يستطيع البيان المطمئن إصلاح خرسانة ضعيفة أو حائط متشقق.
كما أن سقوط أجزاء من مبان في محافظات متباعدة يوضح أن المشكلة ليست محصورة في نطاق مركز الزلزال، وإنما تتعلق بقدرة المنشآت نفسها على تحمل الاهتزاز، وبحالة المبنى وعمره والتعديلات التي أضيفت إليه.
ولزيادة وضوح الصورة، أعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن قوة الزلزال بلغت 5.6 درجة، وأن مركزه كان شمال شرق مدينة السويس، بينما شعر بالهزة سكان القاهرة ومحافظات عديدة فجر الإثنين.
لذلك، فإن وصف الهزة بأنها مرت بسلام يجب أن يظل مرتبطا بعدم وقوع خسائر بشرية واسعة، لا أن يمتد إلى إنكار الأضرار المادية التي سجلتها الجهات الرسمية نفسها في أكثر من محافظة وبوقائع محددة.
ومن ثم، تبدو الحاجة ملحة لنشر نتائج الفحص الهندسي لكل عقار تضرر، وبيان ما إذا كانت الأجزاء المنهارة سببا مباشرا للهزة أم نتيجة ضعف سابق، حتى لا تختلط الطمأنة الضرورية بإخفاء مؤشرات الخطر.
كود الزلازل ليس كافيا
ويشدد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية شريف الهادي على أهمية الرصد العلمي للنشاط الزلزالي، موضحا أن الشبكة القومية تتابع الحركات الأرضية باستمرار وتستطيع رصد التغيرات في النشاط بدقة.
غير أن وجود منظومة رصد وكود للزلازل لا يقدم حماية تلقائية إذا كانت المباني القديمة لم تصمم وفقا لاشتراطاته، أو إذا أضعفت المخالفات والصيانة الغائبة قدرتها، وهنا تصبح الرقابة التنفيذية هي الحلقة الحاسمة.
علاوة على ذلك، فإن الانتقال من نفي الخسائر إلى إعلان 7 بلاغات مرتبطة بالمباني يضعف الثقة في الرسائل الرسمية وقت الأزمات، لأن الجمهور يحتاج معلومات دقيقة ومتدرجة، لا طمأنة مطلقة قبل اكتمال أعمال الحصر.
وبناء على ذلك، يصبح المطلوب نشر خريطة واضحة للعقارات التي تحتاج إلى تدعيم عاجل، خاصة في الأحياء القديمة، وربطها بجدول زمني للتنفيذ، مع توفير بدائل آمنة للسكان الذين قد يطلب منهم إخلاء منازلهم.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل كل تصدع إلى ذعر جماعي، لأن اللجان الهندسية هي الجهة القادرة على تحديد مستوى الخطورة، لكن ذلك يفترض سرعة الاستجابة وشفافية النتائج وعدم ترك السكان بين الشائعات والبيانات المتضاربة.
وفوق ذلك، فإن سلامة المواطنين لا تقاس فقط بعدد الوفيات والإصابات عقب الزلزال، بل أيضا بقدرة الدولة على اكتشاف مواطن الضعف قبل الهزة التالية، وإجبار الملاك والجهات المحلية على تنفيذ قرارات الترميم والإزالة.
وفي النهاية، قدم زلزال فجر الإثنين إنذارا أقل كلفة من كارثة كبرى، لكنه كشف أن بعض المباني لم تمر بلا أثر، وأن نفي الخسائر قبل اكتمال الحصر يظل ممارسة خطرة عندما تكون حياة السكان معلقة بجدار متصدع.

