رفعت الحكومة المصرية أسعار الكهرباء بنحو 12% في المتوسط داخل مصر، قبيل صرف شريحة بقيمة 1.8 مليار دولار من قرض صندوق النقد الدولي، ما أعاد المخاوف من صعود التضخم وتهديد حسابات الوفر المستهدف بالموازنة.

 

وتأتي الزيادة بينما تواجه الأسر المصرية ضغوطا متراكمة من أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات، لتضيف الفواتير الجديدة عبئا مباشرا على الدخل المتاح للإنفاق، فيما يحذر خبراء من عودة التضخم إلى مسار صاعد خلال الأشهر المقبلة.

 

وفي المقابل، تقول الحكومة إن تحريك التعريفة يستهدف تقليص الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء والأسعار التي يدفعها المستهلكون، بعدما قدرت وزارة الكهرباء قيمة الدعم الذي تتحمله الدولة بنحو 100 مليار جنيه سنويا.

 

ومع ذلك، يثير توقيت القرار تساؤلات بشأن ارتباط خطوات خفض الدعم بالالتزامات الاقتصادية المصاحبة لبرنامج صندوق النقد الدولي، خصوصا أن الزيادة سبقت صرف الشريحة السابعة البالغة 1.8 مليار دولار خلال الأسبوع نفسه.

 

الأسعار تستعيد مسار الصعود

 

بحسب رئيس قطاع البحوث بشركة أسطول مصطفى شفيع، فإن زيادة أسعار الكهرباء تحمل أثرا مباشرا على التضخم، لأن الكهرباء تدخل ضمن بند الإسكان والمرافق المستخدم في حساب مؤشر أسعار المستهلك الذي يقيس حركة الأسعار.

 

وفوق ذلك، يرى شفيع أن الأثر لا يتوقف عند قيمة الفاتورة المنزلية، إذ يمكن لارتفاع تكاليف المعيشة أن يدفع العاملين للمطالبة بزيادة الأجور، قبل انتقال جانب من تلك الزيادات لاحقا إلى أسعار الخدمات والسلع.

 

وبالتالي، يتوقع شفيع أن تضيف الزيادة الجديدة نحو 20 نقطة أساس إلى معدل التضخم، بما قد يدفع القراءة من مستويات تقارب 14.4% إلى نحو 14.6% خلال أغسطس، وهي قراءة ينتظر إعلانها في سبتمبر.

 

كما أن عودة التضخم للارتفاع، حتى بصورة محدودة في البداية، تضعف الرهان على استمرار مساره النزولي، وتفتح الباب أمام ضغوط إضافية إذا تزامنت الكهرباء مع تحركات جديدة في الوقود أو الرسوم والخدمات الحكومية.

 

ومن ناحية أخرى، يربط شفيع قرار زيادة الكهرباء بالضغوط المتصاعدة على الموازنة نتيجة تكلفة الدعم وتطورات قطاع الطاقة، مع اتجاه حكومي معلن إلى خفض الدعم تدريجيا وصولا إلى تقليص أعبائه على الخزانة العامة.

 

غير أن تسريع إعادة تسعير الكهرباء ينقل جزءا واضحا من تكلفة أزمة الطاقة إلى المستهلك، في وقت لم تستعد فيه الأجور الحقيقية ما فقدته أمام موجات التضخم وانخفاض قيمة الجنيه خلال السنوات الماضية.

 

وعلاوة على ذلك، تصبح نسبة 18% للتضخم نقطة شديدة الحساسية في الحسابات المقبلة، إذ يحذر خبراء من أن تجاوزها قد يغير اتجاه السياسة النقدية ويدفع البنك المركزي إلى إعادة تقييم مستويات أسعار الفائدة.

 

ومن ثم، فإن زيادة تبدو للحكومة أداة لتقليص الدعم قد تتحول إلى عامل يعيد إشعال الأسعار، خاصة إذا تزامنت مع صدمات خارجية في الطاقة أو سعر الصرف، بما يضع الأسر والموازنة أمام ضغوط متزامنة.

 

القوة الشرائية تدفع الثمن

 

أما خبير أسواق المال وائل النحاس، فيقلل من حجم التأثير المباشر للزيادة على التضخم، مستندا إلى أن التحريك الأخير تركز بصورة أساسية على شرائح الاستهلاك المنزلي، بعد زيادات سابقة طالت الأنشطة التجارية.

 

لكن النحاس يرى أن الأثر الأشد سيظهر في القوة الشرائية، لأن ارتفاع فاتورة الكهرباء يقتطع جزءا إضافيا من دخل الأسر، ويترك مساحة أقل للإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة والنقل وغيرها من الاحتياجات اليومية.

 

وبناء على ذلك، يمكن أن يؤدي القرار إلى مزيد من تباطؤ الطلب الاستهلاكي، ليس نتيجة تحسن الأسعار أو زيادة الادخار، وإنما بسبب اضطرار الأسر إلى إعادة توزيع دخولها المحدودة لمواجهة تكلفة الخدمات الأساسية المرتفعة.

 

وفي الوقت نفسه، يحذر النحاس من ضغوط تقترب من حالة الركود التضخمي، حيث تضعف القدرة الشرائية بينما تظل مستويات الأسعار مرتفعة، وهو مزيج يجعل أي زيادة جديدة في الخدمات الأساسية أكثر قسوة على المستهلكين.

 

لذلك، لا يمكن قياس أثر زيادة الكهرباء من خلال مؤشر التضخم وحده، لأن الأسرة التي تدفع فاتورة أعلى ستضطر غالبا إلى خفض إنفاق آخر، حتى إذا لم يظهر هذا الضغط كاملا في الرقم الرسمي للأسعار.

 

وبالمثل، فإن تحميل المستهلك النهائي الجزء الأكبر من الزيادة يحمي بعض تكاليف الإنتاج المباشرة، لكنه يضغط على الطلب الذي تعتمد عليه الشركات والتجار، ما قد ينعكس لاحقا على المبيعات والاستثمار وفرص التشغيل.

 

وفضلا عن ذلك، تكشف الزيادة معضلة توزيع تكلفة الإصلاح الاقتصادي، إذ تحقق الخزانة وفرا ماليا فوريا، بينما يتحمل المواطن تكلفة مباشرة يصعب تعويضها، خصوصا بالنسبة للأسر التي تستهلك معظم دخولها في الاحتياجات الأساسية.

 

وعليه، يصبح السؤال أبعد من مقدار الزيادة البالغ 12%، ليمتد إلى قدرة الدخول على استيعاب موجات متلاحقة من إعادة التسعير، بعدما أصبحت الكهرباء والوقود والنقل والخدمات عناصر مستمرة في حسابات ميزانية الأسرة المصرية.

 

وفر الموازنة تحت التهديد

 

من جانبه، يقول عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس إن تصميم الزيادة ساعد في الحد من أثرها التضخمي، لأنها لم تشمل الكهرباء المستخدمة في قطاعات إنتاجية مثل المصانع والشركات والمحال التجارية.

 

وبحسب أنيس، فإن توجيه الزيادة إلى المستهلك النهائي يعني أن التأثير الأكبر سيظهر عبر تراجع القوة الشرائية، وليس من خلال زيادة مباشرة واسعة في تكاليف إنتاج السلع والخدمات وانتقالها بصورة فورية إلى الأسعار.

 

وفي المقابل، يقدر أنيس أن الزيادة الجديدة يمكن أن تحقق وفرا للموازنة يتراوح بين 15 و20 مليار جنيه، وفقا لمعدلات استهلاك الشرائح المختلفة، وهو وفر تراهن عليه الحكومة لتقليص تكلفة دعم الكهرباء.

 

إلا أن هذا الوفر يظل معرضا للتآكل إذا عاد التضخم إلى الارتفاع بقوة، لأن تجاوز مستوى 18% قد يدفع البنك المركزي المصري إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.

 

وحسب تقديرات أنيس، فإن كل زيادة بمقدار 1% في أسعار الفائدة قد تضيف نحو 100 مليار جنيه إلى أعباء الموازنة، وهو رقم يساوي تقريبا كامل قيمة دعم الكهرباء السنوي المعلنة من الحكومة.

 

وبالتالي، تبدو المفارقة واضحة بين وفر متوقع لا يتجاوز 20 مليار جنيه من زيادة الكهرباء، وبين تكلفة محتملة تصل إلى 100 مليار جنيه لكل نقطة مئوية إضافية في الفائدة إذا استدعت الضغوط التضخمية تشديد السياسة النقدية.

 

كما يشترط أنيس لبقاء التضخم دون 18% حتى نهاية العام استقرار سعر الصرف وعدم تجاوز الدولار مستوى 55 جنيها، إلى جانب بقاء سعر خام برنت دون 120 دولارا للبرميل، وهي عوامل شديدة التأثير.

 

وفي السياق نفسه، يحذر شفيع من أن الضغوط الخارجية وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفعان البنك المركزي إلى إعادة تقييم موقفه، خصوصا إذا شهدت السياسة النقدية الأميركية مزيدا من التشديد بما يؤثر في تدفقات الأموال.

 

وأخيرا، تضع زيادة الكهرباء الحكومة أمام اختبار حسابي واجتماعي معقد، فخفض الدعم قد يوفر مليارات محدودة للموازنة، لكن عودة التضخم وتراجع القوة الشرائية وارتفاع الفائدة يمكن أن تبتلع هذا الوفر وتضاعف العبء على المواطنين.