حمّل الإعلامي محمد علي خير، خلال برنامج المصري أفندي، ما وصفه بلجان الأكابر مسؤولية ارتفاع الرسوب في كليات الطب بالصعيد، بعد تسجيل 67% رسوبًا بطب قنا و49% بطب سوهاج، معتبرًا النتائج حصادًا للغش في الثانوية العامة.

 

وبالتالي، تعيد الأرقام فتح ملف تكافؤ الفرص في التعليم المصري، إذ لا يقف أثر الغش عند منح طالب درجة لا يستحقها، بل يمتد إلى إقصاء طالب آخر اجتهد وحُرم من مقعد جامعي بفارق محدود.

 

وفي المقابل، قال خير إن نسبة النجاح في الفرقة الثانية بكلية طب سوهاج بلغت 95% مقابل رسوب 5% فقط، مقارنة برسوب 67% بين طلاب الفرقة الأولى، وهو تفاوت اعتبره كاشفًا لفجوة المستوى.

 

ومن ثم، ربط الإعلامي بين هذه النتائج وبين الطلاب الذين حصلوا على مجاميع مرتفعة في الثانوية العامة عبر الغش، مؤكدًا أن أوراقهم الرسمية تسمح بدخول الطب، لكن الامتحانات الجامعية تكشف المستوى الحقيقي للطالب.

 

غير أن أخطر ما طرحه خير يتعلق بما سماه الجريمة المزدوجة، إذ رأى أن الطالب الذي يدخل كلية الطب بالغش لا يهدد مستقبله وحده، وإنما يحرم طالبًا مستحقًا من فرصة تعليمية محدودة.

 

وعلاوة على ذلك، وجه الإعلامي انتقادًا حادًا إلى أولياء الأمور الذين يعلمون أن أبناءهم حصلوا على مجاميع مرتفعة بالغش ثم يصرون على إدخالهم كليات الطب، معتبرًا أنهم يشاركون في صناعة الأزمة.

 

كذلك، اعتبر خير أن صرامة الامتحانات داخل كليات الطب تقوم بدور الفرز الذي فشلت امتحانات الثانوية العامة في أدائه، لأن الطالب الذي تجاوز المرحلة الأولى بوسائل غير مشروعة يواجه اختبارًا مختلفًا داخل الجامعة.

 

وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل هذه الوقائع إلى إدانة جماعية لطلاب محافظات الصعيد، لأن الاتهام بالغش يحتاج وقائع محددة، بينما يبقى جوهر الأزمة في اللجان التي تسمح بالتجاوز وفي المسؤولين عن تأمينها.

 

 

لجان تهدم تكافؤ الفرص

 

حذر الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي مرارًا من أن الغش في الثانوية العامة لا يمثل مجرد مخالفة داخل لجنة امتحان، بل يضرب تكافؤ الفرص عندما يحصل طالب على مجموع يؤهله لكلية حُرم منها آخر مستحق.

 

وبناءً على ذلك، تتقاطع رؤية شوقي مع انتقاد محمد علي خير، لأن المشكلة لا تتعلق برسوب طالب بعد وصوله للجامعة فقط، وإنما تبدأ لحظة استخدام درجات غير حقيقية في ترتيب الطلاب وتوزيع المقاعد الجامعية.

 

كما أن وزارة التربية والتعليم نفسها سبق أن رصدت كثافة تحويلات طلاب إلى لجان بإدارة دار السلام في سوهاج، وربطت تلك التحويلات باعتقاد وجود تساهل في الرقابة بما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.

 

ولهذا، يصبح الحديث عن لجان الأكابر أكبر من وصف إعلامي متداول، بعدما تحولت بعض اللجان إلى موضع قرارات رسمية وتشديدات رقابية بسبب التحويلات غير المعتادة والاتهامات المتكررة بشأن سهولة الغش داخلها.

 

وفوق ذلك، شهدت إحدى لجان دار السلام المعروفة إعلاميًا بلجان أولاد الأكابر ضبط 27 هاتفًا محمولًا و35 سماعة خلال امتحان اللغة الأجنبية الأولى، في واقعة تعكس حجم تحديات الرقابة داخل بعض اللجان.

 

ومن ناحية أخرى، فإن السماح باستمرار هذه الممارسات يعني أن الطالب المجتهد يدخل سباقًا غير متكافئ منذ البداية، لأنه ينافس درجات تحققت أحيانًا في بيئة امتحانية لا توفر الشروط ذاتها لجميع الطلاب.

 

وعليه، فإن حماية التنسيق الجامعي تقتضي ألا تكتفي الدولة بضبط وسائل الغش أثناء الامتحانات، وإنما تراجع أيضًا أنماط النتائج غير الطبيعية والتحويلات الجماعية وأسباب تمركز الدرجات المرتفعة بصورة لافتة في لجان بعينها.

 

 

رسوب يكشف فجوة المستوى

 

سبق أن أثارت نتائج كلية الطب في جامعة جنوب الوادي جدلًا واسعًا، بعدما تحدث مسؤولون جامعيون عن نسب رسوب مرتفعة بين طلاب الفرقة الأولى، وربطوا الظاهرة بمستوى بعض الطلاب القادمين من الثانوية العامة.

 

وفي هذا الإطار، برز اسم الدكتور علي غويل، العميد السابق لكلية الطب بجامعة جنوب الوادي، ضمن المسؤولين الذين تحدثوا عن وجود فجوة حادة بين المجاميع التي يدخل بها بعض الطلاب ومستواهم داخل الكلية.

 

لذلك، تمنح نسبة الرسوب البالغة 67% في قنا و49% في سوهاج، وفق الأرقام التي عرضها محمد علي خير، أهمية إضافية للنقاش بشأن قدرة الثانوية العامة على قياس مستوى الطلاب بصورة عادلة.

 

إلى جانب ذلك، فإن وصول نسبة النجاح في الفرقة الثانية بطب سوهاج إلى 95% يجعل المقارنة أكثر دلالة، لأن الفارق الكبير بين الدفعات يستدعي بحثًا أكاديميًا ورقابيًا بدل الاكتفاء بوصفه رسوبًا استثنائيًا.

 

ومع ذلك، لا تثبت نسبة الرسوب وحدها أن كل طالب راسب وصل بالغش، لأن التعثر قد ينتج عن صعوبة الدراسة الطبية أو ضعف التأقلم أو أسباب شخصية، وهو ما يفرض الفصل بين المؤشر والاتهام الفردي.

 

لكن تزامن هذه النتائج مع سجل معروف لبعض لجان الثانوية العامة في سوهاج وقنا يجعل تجاهل فرضية الغش أمرًا غير مقنع، خصوصًا مع تكرار إجراءات رسمية تستهدف تشديد الرقابة ومنع التحويلات المشبوهة.

 

ومن هنا، فإن الجامعة تتحول عمليًا إلى مرشح متأخر يكشف عيوب مرحلة سابقة، وهو وضع يحمل كلفة إنسانية وتعليمية كبيرة لأن اكتشاف عدم أهلية الطالب يأتي بعد ضياع مقعد كان يمكن منحه لمستحق.

 

 

الرقابة تبدأ من الثانوية

 

يرى الدكتور رضا حجازي، وزير التربية والتعليم السابق والخبير التربوي، أن مكافحة الغش ترتبط أساسًا بإحكام منظومة الامتحانات وتأمين اللجان ومواجهة وسائل الاتصال المستخدمة في تداول الإجابات، لا بمجرد تشديد العقوبة بعد وقوع المخالفة.

 

وبالتالي، فإن معالجة ملف لجان الأكابر تحتاج إلى منع جذري للأسباب التي سمحت ببروزها، وعلى رأسها التحويلات غير المبررة وضعف الرقابة والتجمعات الطلابية التي صنعت شهرة بعض اللجان كمقصد للراغبين في الغش.

 

علاوة على ذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها وزارة التعليم في سوهاج خلال السنوات الأخيرة، وبينها وقف تحويلات وتشديد التفتيش وتطبيق نظام التجمعات، تكشف أن المشكلة لم تكن مجرد ادعاء إعلامي بلا أساس.

 

في المقابل، يبقى السؤال مطروحًا حول سبب احتياج الدولة إلى سنوات طويلة للسيطرة على ظاهرة يعرفها الطلاب والأهالي والإعلام باسم واضح، بينما تستمر آثارها في الانتقال من الثانوية العامة إلى الجامعات.

 

ومن ثم، فإن محاسبة الطالب وحده لا تكفي، لأن أي غش منظم يحتاج بيئة تسمح به ومسؤولين يتغاضون عنه أو يفشلون في منعه، ما يجعل المسؤولية موزعة بين الطالب والأسرة والمنظومة الرقابية.

 

وأخيرًا، تكشف أرقام 67% في طب قنا و49% في طب سوهاج أن ثمن لجان الأكابر لا يظهر فقط داخل محاضر الغش، بل قد يظهر لاحقًا في قاعات الجامعات وعلى حساب طلاب خسروا مقاعد استحقوها.