أعلنت الحكومة المصرية في 30 يوليو 2026 أن طائرة مسيرة تسببت في الحريق الذي أصاب سفينتي غاز داخل ميناء دمياط على البحر المتوسط، بعد واقعة بدأت مساء 29 يوليو وأصابت السفينة إنرجوس وينتر قبل امتداد النيران إلى غازلوغ سالم، وانتهت السيطرة على الحريق من دون تسجيل خسائر بشرية.

 

وأعادت الواقعة إلى الواجهة سؤالا مصريا قديما حول قدرة أجهزة الدولة على اكتشاف التهديد الجوي قبل وصوله إلى هدف حيوي، وهو سؤال ارتبط بأقسى صوره صباح 5 يونيو 1967 عندما اخترقت الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي المصري، وضربت المطارات، ودمرت مئات الطائرات المصرية وهي رابضة على مدارجها قبل دخولها المعركة.

 

 

ضربة 5 يونيو بدأت من السماء وانتهت بكشف انهيار القيادة

 

بدأت إسرائيل صباح 5 يونيو 1967 عملية جوية واسعة استهدفت المطارات المصرية بصورة متزامنة، واعتمدت الضربة على تعطيل الممرات ومنع الطائرات الموجودة على الأرض من الإقلاع، ثم عادت المقاتلات الإسرائيلية في موجات متتابعة لضرب الطائرات المحاصرة، فتحولت الساعات الأولى من الحرب إلى خسارة حاسمة للقوة الجوية المصرية.

 

وخلال نحو 5 ساعات، تشير السجلات العسكرية المنشورة إلى تدمير قرابة 300 طائرة مصرية، بعدما استهدفت الموجة الأولى 9 قواعد جوية في وقت متزامن، وهو ما منح إسرائيل تفوقا جويا مبكرا حرم القوات المصرية في سيناء من الغطاء المطلوب وأتاح للطيران الإسرائيلي حرية واسعة في استهداف القوات وطرق الانسحاب.

 

وبعد ذلك، لم تبق الهزيمة محصورة في خسارة الطائرات، إذ انتقلت آثار الضربة الجوية إلى القوات البرية والقيادة الميدانية، ثم صدر قرار الانسحاب من سيناء في ظروف ما زالت وثائق مصرية أساسية بشأنها بعيدة عن الباحثين، لتنتهي الحرب باحتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة خلال أيام قليلة.

 

وفي هذا السياق، وثق المؤرخ المصري خالد فهمي جوانب واسعة من خلل القيادة الذي سبق الهزيمة، وأشار في دراساته عن حرب يونيو إلى أن غياب الوثائق العسكرية الرسمية أبقى روايات أساسية محل خلاف، كما أبرز الصراع بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وسيطرة الأخير الفعلية على قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية.

 

كذلك يلفت فهمي إلى أن فهم هزيمة 1967 لا يكتمل بمجرد إحصاء الطائرات المدمرة أو متابعة تحركات القوات، لأن بنية اتخاذ القرار داخل الجيش لعبت دورا مركزيا في الكارثة، وهو ما يجعل مساءلة القيادة والاطلاع على الوثائق جزءا ضروريا من معرفة كيفية وصول دولة مسلحة إلى انهيار بهذه السرعة.

 

 

دمياط يعيد سؤال الاختراق بعد 59 عاما من النكسة

 

انتقل سؤال الاختراق الجوي مجددا إلى المجال العام بعد حادث ميناء دمياط، إذ أعلنت الحكومة أن التحقيقات الأولية أثبتت تسبب طائرة مسيرة في الحريق، بينما لم تكشف السلطات حتى الآن بصورة علنية الجهة التي أطلقتها أو نقطة انطلاقها أو مسارها أو كيفية وصولها إلى منطقة تضم منشآت وسفنا مرتبطة بأمن الطاقة المصري.

 

وقبل الإعلان الحكومي، تحدثت شركات أمن بحري ومصادر ملاحية عن إصابة السفينة إنرجوس وينتر، وهي وحدة عائمة لاستقبال الغاز وتخزينه وإعادته إلى حالته الغازية، ثم انتقال الحريق إلى السفينة غازلوغ سالم، قبل أن تعلن السلطات السيطرة على النيران وعدم وقوع وفيات أو إصابات بين العاملين في الموقع.

 

وبينما تختلف طبيعة حادث دمياط جذريا عن الحرب الشاملة التي بدأت في 5 يونيو 1967، يفرض وصول جسم جوي مسير إلى هدف داخل ميناء مصري سؤالا محددا لا يحتاج إلى مبالغة، وهو أين جرى رصد الطائرة، ومتى اكتشفت أجهزة المراقبة تحركها، وما الإجراءات التي اتخذتها الجهات المكلفة بحماية المنشآت الحيوية قبل الإصابة.

 

ويقدم الباحث المصري حازم قنديل إطارا تاريخيا لفهم خطورة انفصال القوة العسكرية عن منظومة فعالة للمساءلة، إذ تناول في كتابه عن علاقة الجيش والأمن والسياسة أحداث يونيو 1967 باعتبارها نتيجة لبنية سلطة شهدت صراعا داخل مؤسسات الحكم، ولم تمنع كثافة الأجهزة الأمنية والعسكرية وقوع هزيمة عسكرية بالغة الاتساع.

 

ومن هنا، تحمل واقعة دمياط أهمية تتجاوز إخماد الحريق بسرعة، لأن الحكومة التي أعلنت شراء منظومات تسليح متطورة خلال سنوات مطالبة بتفسير كيفية وصول الطائرة المسيرة إلى هدفها، بينما لا يقدم الإعلان عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأمن القومي إجابة عن مسار الجسم المهاجم أو توقيت اكتشافه أو المسؤول عن عملية الاعتراض.

 

 

من صمت المدافع في 1967 إلى غموض المسيرة في دمياط

 

وثق المؤرخ البريطاني الإسرائيلي آفي شلايم الضربة الأولى في حرب يونيو بوصفها هجوما جويا مفاجئا استهدف المطارات المصرية وأخرج القوة الجوية المصرية من المعركة خلال ساعات، كما ربطت دراسات شارك في تحريرها النتيجة التي انتهت إليها الحرب بضعف القيادة المصرية وبالتنافس والارتباك داخل معسكر الدول العربية المشاركة.

 

ويكتسب هذا التوثيق أهميته عند استعادة وقائع 1967 لأن امتلاك الطائرات والقواعد والأسلحة لم يمنع نجاح الضربة الأولى، فقد حسمت طريقة القيادة والإنذار والتأهب جانبا كبيرا من النتيجة، ثم دفعت القوات المصرية ثمن فقدان السماء عندما بدأت الوحدات البرية انسحابها من سيناء تحت ضغط الهجمات الجوية المتواصلة.

 

وبالمقابل، لا تسمح المعلومات المعلنة حتى الآن باعتبار حادث دمياط تكرارا عسكريا لهزيمة يونيو، لكنها تسمح بمساءلة أداء مؤسسات الدولة عن واقعة اختراق ثبتت رسميا، فالحكومة نفسها نسبت الحريق إلى طائرة مسيرة، لكنها لم تقدم للرأي العام رواية تفصيلية تحدد المصدر والمسار ونقطة الاكتشاف وسبب نجاح الضربة.

 

وفي الوقت نفسه، يضاعف موقع الحادث من أهمية هذه الأسئلة، لأن ميناء دمياط ليس منشأة هامشية، كما أن السفن المرتبطة باستيراد الغاز تؤدي وظيفة مباشرة في تأمين احتياجات الطاقة المصرية، ولذلك فإن إصابة سفينتين داخل الميناء تمس منشأة اقتصادية واستراتيجية تعتمد عليها الدولة وسط ضغوط متزايدة على إمدادات الغاز.

 

وعلى خلاف 1967، تمتلك مصر اليوم منظومات رصد واتصالات ودفاع جوي أكثر تطورا بفارق تقني هائل، ولهذا لا تستطيع الحكومة الاكتفاء بتأكيد إخماد النيران وعدم سقوط ضحايا، لأن معيار الكفاءة الأمنية يبدأ قبل وصول التهديد إلى هدفه، بينما يبدأ التحقيق الجاد بتحديد أين حدث الخلل ومن يتحمل مسؤوليته داخل منظومة الحماية.

 

وأخيرا، لا يعيد هجوم دمياط إنتاج نكسة 5 يونيو 1967 بحجمها العسكري ولا بنتائجها، لكنه يعيد سؤالا ظل مؤلما في التاريخ المصري، كيف يصل التهديد الجوي إلى هدفه قبل أن يعرف المواطن ماذا حدث، ومن رصد الخطر، ومن قرر التعامل معه، ومن سيحاسب إذا أثبت التحقيق أن أجهزة الإنذار أو الحماية أخفقت في مهمتها.