أيمن صادق
عضو مجلس الشعب السابق عن حزب الحرية والعدالة
منذ سنوات، يتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي في مصر تعبير يبدو للوهلة الأولى بديهيًا: "الحفاظ على الدولة". لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: أي دولة؟ هل المقصود هو الدولة بوصفها الكيان الدائم الذي يضم الأرض والشعب والمؤسسات والدستور، أم المقصود هو النظام السياسي القائم؟ وهل الدفاع عن الرئيس والحكومة يعني بالضرورة الدفاع عن الدولة؟ وهل معارضة السلطة التنفيذية، ممثلة في الرئيس والحكومة، تُعد خصومة مع الوطن؟
هذه التساؤلات لا تندرج ضمن الترف الفكري أو الجدل البيزنطي، بل تمثل أحد أهم معايير التمييز بين الدولة الحديثة والدولة التي تذوب فيها المؤسسات داخل السلطة السياسية. وفي الحالة المصرية، ربما لم يختلط هذان المفهومان في الوعي العام كما اختلطا خلال العقد الأخير، حتى أصبح الفصل بينهما بالنسبة لكثيرين أمرًا بالغ الصعوبة، رغم أن العلوم السياسية والدساتير الحديثة تعتبر هذا الفصل أحد أسس الدولة الديمقراطية.
ولعل أول خطوة لفهم هذه الإشكالية هي العودة إلى المفهوم الدستوري للدولة نفسها، والتمييز بينها وبين السلطة التي تديرها. فالكثير من مظاهر الخلط في الخطاب العام تبدأ من الخلط في المفاهيم، بينما يقوم البناء الدستوري للدولة الحديثة على الفصل الواضح بين الكيان الدائم الذي يمثل الدولة، وبين السلطة السياسية التي تتولى إدارتها لفترة زمنية محددة. تكمن الإشكالية في أن الدولة والنظام السياسي ليسا مترادفين في الفقه الدستوري ولا في العلوم السياسية، رغم أن الخطاب العام قد يتعامل معهما أحيانًا باعتبارهما شيئًا واحدًا. فالدولة كيان دائم يستمر عبر الزمن، بينما تمثل السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيس الجمهورية والحكومة، جزءًا من مؤسساتها، تتغير وفقًا لأحكام الدستور دون أن يمس ذلك وجود الدولة أو شرعيتها. ومن هنا تنبع أهمية التمييز بين الدفاع عن الدولة باعتبارها وطنًا ومؤسسات، وبين الدفاع عن السلطة باعتبارها إدارة مؤقتة لشؤون الدولة.
أولًا: ما هي الدولة؟
في الأدبيات السياسية، الدولة ليست رئيسًا، ولا حكومة، ولا حزبًا، ولا حتى نظامًا سياسيًا. الدولة هي الكيان القانوني والسياسي الدائم الذي يقوم على أربعة عناصر رئيسية: الشعب، الإقليم، السيادة، المؤسسات التي تمارس السلطة وفق الدستور والقانون.
أما النظام السياسي فهو مجرد الآلية التي تُدار بها هذه الدولة خلال مرحلة زمنية معينة، وتؤكد معظم أدبيات القانون الدستوري أن الدولة باقية بينما تتغير الأنظمة والحكومات. ولهذا السبب بقيت فرنسا هي فرنسا رغم انتقالها بين الملكية والإمبراطورية والجمهوريات المختلفة، وبقيت إسبانيا دولة واحدة رغم سقوط حكم فرانكو، وبقيت جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، ولم يقل أحد إن سقوط النظام كان سقوطًا للدولة.
ثانيًا: ماذا يقول الدستور المصري؟
المفارقة أن النصوص الدستورية المصرية نفسها ترسم حدودًا واضحة بين الدولة والنظام. غير أن التحدي الحقيقي في أي دولة لا يكمن في النصوص وحدها، وإنما في مدى اتساق الممارسة السياسية والمؤسسية مع هذه المبادئ الدستورية. فالدستور ينص على أن السيادة للشعب، وأن النظام السياسي يقوم على التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن بينها، واحترام الحقوق والحريات. وهذه النصوص تحمل دلالة بالغة الأهمية؛ فلو كان النظام هو الدولة، لما كان هناك معنى للتداول السلمي للسلطة أصلًا، ولما أصبح تغيير الرئيس أو الحكومة إجراءً دستوريًا طبيعيًا.
إن وجود نص دستوري ينظم انتقال السلطة يعني ضمنًا أن الدولة يجب أن تستمر مهما تغير الرؤساء أو الحكومات. وهو ما تعكسه نصوص الدستور المصري، ولا سيما المواد المتعلقة بسيادة الشعب، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، باعتبارها ركائز لقيام الدولة واستمرارها بصرف النظر عن تغير من يتولى السلطة.
ثالثًا: متى تختلط الدولة بالنظام؟
تبدأ المشكلة عندما يتحول النظام السياسي من "مدير للدولة" إلى "مالك لها"، أي عندما يصبح تغيير الرئيس أو الحكومة مساويًا -في الخطاب العام- لهدم الدولة، ويصبح انتقاد السلطة التنفيذية مساويًا للإضرار بالأمن القومي، وتصبح المؤسسات العامة وكأنها امتداد لشخص الحاكم أو للنظام القائم، لا مؤسسات مملوكة لجميع المواطنين، وهنا يختفي الفاصل الذي يفترض أن يبقى واضحًا.
رابعًا: كيف يبدو الفصل في الدول المستقرة؟
في الديمقراطيات المستقرة قد يسقط رئيس الوزراء اليوم ويأتي آخر غدًا، وقد يخسر الرئيس الانتخابات، وقد تنهزم الحكومة في مجلس النواب، وقد تستقيل الحكومة بالكامل، لكن أحدًا لا يقول إن الدولة سقطت؛ لأن الموظف العام يعمل في خدمة الدولة، والقاضي ينطق باسم القانون، والجيش درعٌ للحدود، والشرطة أداةٌ لإنفاذ العدالة. ولا يرتبط استمرار هذه المؤسسات ببقاء حزب معين في السلطة. أما عندما تصبح كل مؤسسة مرتبطة ببقاء النظام، فإن تغيير السلطة يتحول إلى أزمة وجودية، وهو ما يتناقض مع مفهوم الدولة الحديثة.
خامسًا: كيف تجسد هذا الخلط في الحالة المصرية؟
لا يحتاج الأمر إلى وثائق سرية أو تسريبات، بل يكفي تتبع الخطاب العام خلال السنوات الأخيرة. لقد أصبح من المألوف أن تُستخدم عبارات مثل: إسقاط الدولة، هدم الدولة، استهداف الدولة، مؤامرة على الدولة.
يحدث هذا في سياقات يكون الحديث فيها متعلقًا بالرئيس أو الحكومة أو بسياسات السلطة التنفيذية. وهذا الاستخدام اللغوي ليس تفصيلًا عابرًا؛ فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم في تشكيله وصناعة التصورات الذهنية عنه، وعندما يتكرر ربط النظام بالدولة لسنوات، يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن الاثنين شيء واحد. وبالتالي يصبح أي نقد للرئيس أو للحكومة نقدًا للوطن نفسه، ويغدو الاختلاف السياسي وكأنه خروج على الدولة، لا ممارسة لحق يكفله الدستور.
المثال الأول: المعارضة
في الدول الديمقراطية، تُعد المعارضة جزءًا أصيلًا من النظام الدستوري، ووجودها ليس دليل ضعف، بل دليل صحة، لأنها تمثل إحدى أدوات الرقابة والمساءلة والتوازن السياسي. أما عندما تُقدَّم المعارضة باعتبارها تهديدًا للدولة، فإن الحدود بين الدولة والنظام تبدأ في التلاشي؛ ليس لأن كل معارضة محقة، ولا لأن كل سلطة مخطئة، بل لأن الأصل الدستوري هو أن المعارضة تنافس الرئيس والحكومة وسياساتهما، لا الدولة ذاتها. فالدولة هي الإطار الجامع الذي يضم الجميع، بينما تظل السلطة التنفيذية جزءًا من مؤسساتها، وليست هي الدولة كلها.
المثال الثاني: الإعلام
أحد أهم المؤشرات على الفصل بين الدولة والنظام هو طريقة عمل الإعلام. ففي الديمقراطيات الراسخة قد ينتقد الإعلام العمومي رئيس الحكومة أو رئيس الدولة بشدة، دون أن يُعد ذلك إساءة للدولة أو مساسًا بشرعيتها، أما عندما يصبح الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي معبرًا عن رؤية السلطة التنفيذية، ممثلة في الرئيس والحكومة وحدها، ويختزل الدولة في النظام السياسي، فإن المواطن يتلقى رسالة غير مباشرة مفادها أن الولاء للوطن يمر عبر الولاء للسلطة. وهنا تتراجع وظيفة الإعلام باعتباره مساحة للنقاش العام، ليصبح جزءًا من عملية دمج الدولة بالنظام في الوعي الجمعي. وعندما يصبح الإعلام جزءًا من معادلة الدمج بين الدولة والنظام، فإنه لا يكتفي بتغطية الأحداث، بل يسهم في إعادة تشكيل الإدراك العام لمعنى الدولة وحدود السلطة، وهو ما يجعل أثره يتجاوز المجال الإعلامي إلى المجال الدستوري والثقافي.
المثال الثالث: المؤسسات العامة
المؤسسة العامة يُفترض أن تخدم المواطن، أيًا كان انتماؤه السياسي أو موقفه من السلطة. لكن عندما يشعر قطاع من المواطنين أن المؤسسات تتعامل معهم بحسب موقفهم من الرئيس أو الحكومة، فإن صورة الدولة المحايدة تبدأ في التآكل، حتى لو كانت النصوص القانونية تؤكد الحياد؛ لأن الانطباع العام، في كثير من الأحيان، يصبح أقوى أثرًا من النصوص ذاتها. فحياد المؤسسات العامة ليس مجرد قيمة إدارية، وإنما أحد أهم المؤشرات على وجود دولة تتعامل مع مواطنيها بوصفهم أصحاب حقوق، لا بوصفهم مؤيدين أو معارضين.
المثال الرابع: الانتخابات
في أي دولة ديمقراطية، تمثل الانتخابات وسيلة لتغيير الرئيس أو الحكومة أو كليهما، وفقًا للنظام الدستوري المعمول به، أما إذا أصبحت الانتخابات تُقدَّم باعتبارها معركة لإنقاذ الدولة نفسها، فإن معناها يتغير جذريًا. فبدلًا من أن تكون منافسة بين برامج ورؤى سياسية مختلفة، تتحول إلى استفتاء على بقاء الدولة، رغم أن الدولة يجب أن تستمر أيًا كانت نتيجة الانتخابات، وعندما يختلط بقاء الدولة ببقاء السلطة، يصبح تداول السلطة مصدر خوف بدلًا من أن يكون أحد مظاهر الاستقرار الدستوري.
المثال الخامس: حين تصبح وثائق الهوية جزءًا من الصراع السياسي
لعل من أخطر صور تلاشي الحدود بين الدولة والنظام أن يمتد الخلاف السياسي إلى الحقوق المدنية الأساسية للمواطن. فجواز السفر، وبطاقة الرقم القومي، وشهادات الميلاد، وسائر وثائق الأحوال المدنية، ليست امتيازات تمنحها السلطة لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء، وإنما هي حقوق قانونية تجسد العلاقة بين المواطن والدولة، لا بين المواطن والسلطة التنفيذية. فالدولة هي التي تثبت هوية مواطنيها وتحفظ شخصيتهم القانونية، بصرف النظر عن آرائهم أو مواقفهم السياسية، لأن المواطنة حق أصيل لا يتغير بتغير الرؤساء أو الحكومات.
وقد أشارت تقارير حقوقية دولية وشهادات فردية منشورة إلى حالات كثيرة لمصريين يقيمون في الخارج قالوا إنهم واجهوا صعوبات في تجديد جوازات سفرهم، أو استخراج بعض وثائق الأحوال المدنية أو الوثائق القنصلية، مع وجود روايات تربط ذلك باعتبارات أمنية أو سياسية. كما أشارت تلك التقارير إلى حالات بقيت فيها الطلبات معلقة لفترات طويلة دون قرارات إدارية مكتوبة، أو ارتبطت بإجراءات إضافية لا ينص عليها القانون، وهو ما اعتبرته جزءًا من سياسة أوسع للضغط على بعض الأصوات المعارضة في الخارج.
وسواء تعلقت هذه الوقائع بحالات فردية أو بممارسات أوسع، فإن خطورتها لا تكمن في النزاع الإداري ذاته، وإنما في الفكرة التي تنتج عنها؛ وهي أن حق الإنسان في إثبات شخصيته، أو تسجيل مواليده، أو الحصول على وثيقة سفر، قد يصبح -ولو في تصور المواطنين- مرتبطًا بموقفه من الرئيس أو الحكومة. فإذا ترسخ هذا التصور، لم تعد العلاقة بين المواطن والدولة، وإنما أصبحت بين المواطن والنظام السياسي، وعندئذ لا يعود جواز السفر مجرد وثيقة مواطنة، ولا بطاقة الهوية مجرد وسيلة لإثبات الشخصية، بل يُنظر إليهما وكأنهما امتيازان سياسيان. وهنا يختفي الفاصل الجوهري بين الدولة باعتبارها كيانًا دائمًا يخدم جميع مواطنيه، وبين النظام باعتباره سلطة سياسية مؤقتة، وهو خلط لا يضر بالمعارضة بقدر ما يضر بفكرة الدولة نفسها.
المثال السادس: المال العام والمشاريع القومية
يمتد الخلط بين الدولة والنظام ليشمل الجانب الاقتصادي وإدارة الموارد. فميزانية الدولة ومواردها هي ملك للشعب وللأجيال القادمة، لكن الخطاب الإعلامي والسياسي غالبًا ما يصيغ المشاريع القومية أو تحديث البنية التحتية وكأنها مرتبطة حصرًا بالسلطة القائمة، لا باعتبارها جزءًا من الوظيفة الطبيعية للدولة في تحقيق التنمية. هذا التوجه يجعل المواطن يشعر وكأنه مدين للسلطة التنفيذية بحقوقه الأساسية في التنمية، متناسيًا أن هذه المشاريع تُموّل بالأساس من ضرائب المواطنين وموارد الدولة الأصيلة. فالتنمية هي التزام دستوري على الدولة تجاه مواطنيها، وليست تفضلًا من إدارة سياسية بعينها.
المثال السابع: المجتمع المدني والفضاء العام
الدولة ليست فقط مؤسسات الحكم، بل أيضًا المجال العام الذي يسمح للمجتمع بالمشاركة في صياغة مستقبله. فالدولة القوية بطبيعتها تتسع للمجتمع المدني، والنقابات، والجمعيات الأهلية، وتتعامل معها كشركاء في التنمية والرقابة. لكن عندما يتم تذويب الدولة في السلطة، تضيق هوامش الفضاء العام، ويُصبح يُنظر إلى أي نشاط مجتمعي مستقل -لا يخضع بشكل مباشر لإدارة أو توجيه السلطة التنفيذية- على أنه "اختراق للدولة" أو تهديد لأمنها. هذا المنظور يؤدي إلى تأميم الفضاء العام بالكامل لصالح رؤية واحدة، مما يحرم الدولة من تنوع مجتمعي يمثل في حقيقته أحد أهم مصادر قوتها ومناعتها.
سادسًا: لماذا يحرص كثير من الأنظمة على هذا الخلط؟
لأن دمج النظام بالدولة يمنح السلطة التنفيذية شرعية تتجاوز حدودها الدستورية. فالمواطن قد يختلف مع الرئيس أو الحكومة، وقد يعارض سياسات اقتصادية أو تشريعية أو إدارية بعينها، لكنه لا يريد انهيار وطنه، ولا يتمنى زعزعة استقرار دولته. وعندما يقتنع بأن الرئيس والحكومة هما الدولة، وأن بقاء النظام هو بقاء الوطن، يصبح أكثر ترددًا في معارضة السياسات العامة، حتى وإن كان يرى أنها تستحق النقد أو المراجعة.
وهنا يتحول الدفاع عن النظام إلى دفاع عن الدولة، ويتحول الخلاف السياسي إلى قضية وجود، رغم أن جوهر الخلاف قد لا يتجاوز اختلافًا حول إدارة الشأن العام أو الخيارات الاقتصادية أو التشريعية. وهذا الخلط قد يمنح النظام مكاسب سياسية على المدى القصير، لكنه يحمل في داخله تكلفة باهظة تتحملها الدولة على المدى البعيد.
سابعًا: الثمن الذي تدفعه الدولة
قد يبدو دمج الدولة بالنظام مفيدًا للسلطة في لحظة معينة، لكنه يرهق الدولة نفسها مع مرور الوقت. فكلما ارتبطت مؤسسات الدولة بشخص الرئيس أو بالحكومة القائمة، أصبحت هذه المؤسسات شريكًا في كل نجاح وإخفاق سياسي. وعندئذ لا تعود الأزمات الاقتصادية، أو التراجع في الخدمات، أو الاحتقان السياسي، مجرد أزمات تواجه الرئيس أو الحكومة، وإنما تتحول في نظر المواطنين إلى أزمات تصيب الدولة ذاتها.
كما يصبح أي تغيير سياسي مستقبلي أكثر صعوبة، لأن الناس يُصوَّر لهم الأمر باعتباره انتقالًا بين وجود الدولة وعدم وجودها، لا انتقالًا طبيعيًا بين سلطات تنفيذية تتعاقب في ظل دولة واحدة باقية. والنتيجة أن الدولة، التي يفترض أن تكون الإطار الجامع لجميع المواطنين، تصبح طرفًا في الصراع السياسي، وتفقد تدريجيًا صورتها باعتبارها مؤسسة محايدة تعلو على الحكام والأحزاب.
وكلما طال أمد هذا الخلط، ازداد العبء الذي تتحمله مؤسسات الدولة نفسها، لأن الثقة العامة فيها تصبح مرتبطة بشعبية النظام، بدلًا من أن تستند إلى حيادها واستمرارها واستقلالها. والمفارقة أن الأنظمة التي تسعى إلى ترسيخ هذا الدمج بدافع تعزيز الاستقرار، قد تنتهي إلى إضعاف الدولة نفسها. فحين ترتبط هيبة المؤسسات بشعبية السلطة، تصبح هذه المؤسسات عرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية. أما الدولة التي تقوم على المؤسسات والقانون، فإنها تبقى أكثر استقرارًا لأنها تستمد مشروعيتها من الدستور، لا من الأشخاص. وحين يصبح بقاء النظام في الوعي العام مرادفًا لبقاء الدولة، تكون الدولة قد فقدت أهم خصائصها؛ فهي لا تُعرَّف بمن يحكمها، بل بقدرتها على البقاء بعد رحيل الحكام جميعًا.
الخاتمة
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود معارضة قوية، ولا تداول السلطة، ولا حتى الأزمات الاقتصادية؛ وإنما أن يترسخ في الوعي الجمعي أن الدولة تختزل في شخص، أو في رئيس، أو في حكومة، أو في نظام سياسي. فالدول لا تُقاس بعمر حكامها، وإنما بقدرتها على البقاء بعد رحيلهم، وعلى حماية حقوق مواطنيها مهما اختلفت آراؤهم.
إن جواز السفر ليس وثيقة ولاء، وبطاقة الهوية ليست مكافأة على التأييد، وشهادة الميلاد ليست منحة سياسية. هذه جميعًا تعبير عن رابطة قانونية بين المواطن والدولة، لا بين المواطن والسلطة. وكلما أصبحت الحقوق المدنية قابلة للتأثر بالانتماء السياسي، ضعفت الدولة نفسها، حتى وإن بدا النظام في أوج قوته.
الدول الراسخة لا تخشى أن يُنتقد رئيسها أو حكومتها، لأنها تعلم أن شرعيتها لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات والقانون. أما حين يصبح نقد الرئيس أو الحكومة مساويًا في الخطاب العام للطعن في الدولة، فإن أول ما يُصاب بالضرر ليس المعارضة، وإنما فكرة الدولة ذاتها. وستبقى الحقيقة التي أثبتها التاريخ، في مصر كما في غيرها، أن الأنظمة تتغير، والرؤساء يرحلون، والحكومات تتبدل، أما الدولة فلا ينبغي أن تكون ملكًا لأحد، ولا رهينة لأحد، ولا مرتبطة ببقاء أحد. الدولة ملك لأبنائها جميعًا، ومن حق كل مواطن أن يشعر بأنها تحميه حتى عندما يختلف مع من يحكمها. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين دولة تستمد قوتها من مواطنيها ومؤسساتها وسيادة القانون، فتظل باقية رغم تعاقب الحكومات، ودولة تربط وجودها ببقاء السلطة التي تديرها، فتغدو هيبتها واستقرارها رهينين بالأشخاص لا بالمؤسسات.

