احتجزت مصلحة الجمارك في ميناء الإسكندرية منحة علاجية مجانية لمرضى الهيموفيليا يعتمد عليها أكثر من 30% من المرضى، رغم صدور موافقات هيئة الدواء منذ 17 مايو 2026، ما أبقى أدوية إنقاذ الحياة خارج متناول آلاف المحتاجين.

 

ويكشف استمرار التعطيل، رغم اكتمال الموافقات الدوائية، خللا يتجاوز الروتين الإداري إلى أزمة تمس الحق في العلاج، إذ تتحول الإجراءات الحكومية إلى حاجز بين المريض ودوائه، بينما تتحمل الأسر وحدها كلفة التأخير ومخاطر النزيف.

 

وبحسب بيانات متداولة عن الأزمة، تضم الشحنة عقاقير إيلوكتات وكوفالتري وألبروليكس وحقن عوامل التجلط، وهي أدوية تستخدم للسيطرة على النزيف الحاد وتأمين التدخلات الجراحية، ما يجعل تأخر الإفراج عنها تهديدا طبيا مباشرا للحالات الأكثر هشاشة.

 

وفي المقابل، لا يحتاج مريض الهيموفيليا إلى إصابة بالغة حتى يدخل دائرة الخطر، فجرح محدود أو خلع سن قد يتحول إلى نزيف ممتد، لأن المرض يسبب نقصا في عوامل التجلط ويمنع الدم من التوقف بصورة طبيعية.

 

كما أن المرضى يعيشون تحت قيود يومية قاسية، تبدأ من تجنب الرياضات والاحتكاكات وقد تصل إلى الخوف من أبسط الإصابات المنزلية، لذلك تصبح إتاحة العلاج الوقائي والسريع شرطا لعيش حياة طبيعية لا امتيازا طبيا إضافيا.

 

ومن جهة أخرى، صدرت الموافقات الاستيرادية وخطاب الإفراج من هيئة الدواء المصرية في 17 مايو 2026، لكن إجراءات فتح الشهادة الجمركية في ميناء الإسكندرية ظلت معطلة، بما يثير سؤالا مباشرا حول مسؤولية التنسيق بين الجهات الرسمية.

 

وفوق ذلك، تتكرر الأزمة سنويا وفق شهادات حقوقية وطبية، إذ تبقى منح العلاج داخل الجمارك لفترات قد تمتد من شهر إلى شهرين أو أكثر، بينما يكون المرضى في حاجة إلى جرعات لا تحتمل التأجيل أو الانتظار.

 

 

دواء محتجز وموت متكرر

 

وفي هذه الأثناء، ارتفعت حصيلة الوفيات المرتبطة بنقص أدوية التجلط إلى 8 حالات منذ يناير وحتى يوليو 2026، وفق محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، الذي حذر من التعامل مع الأزمة كملف إداري.

 

وقال فؤاد إن تأخر الشحنات لا يعني مجرد تراكم أوراق في الموانئ، بل يعني مرضى ينزفون وأسر تبحث عن جرعات إسعافية، مؤكدا أن تعطيل المنح المجانية قد يقود إلى نتائج قاتلة كان يمكن منعها بقرار إداري أسرع.

 

وللدلالة على حجم الخطر، استشهد فؤاد بحالة أبانوب ألفونس الذي تعرض لنزيف حاد بعد خلع سن، وظل ينزف أكثر من 6 ساعات بسبب عدم توافر عامل التجلط، قبل وصول العلاج متأخرا ووفاته لاحقا.

 

وبالتالي، تكشف هذه الواقعة أن نقص العلاج لا يهدد فقط المرضى الذين يخضعون لجراحات كبرى، بل يمكن أن يحول إجراءات يومية بسيطة إلى طوارئ مميتة، وهو ما يضاعف مسؤولية الدولة عن ضمان توافر الجرعات دون انقطاع.

 

وعلى مستوى الأعداد، يقدر عدد مرضى الهيموفيليا في مصر بنحو 7 آلاف مريض، بينما تشير البيانات إلى أن الجمعية المصرية للهيموفيليا نجحت في الوصول إلى قرابة 60% من الحالات عبر برامج التشخيص المبكر والمتابعة.

 

وبحسب الدكتور أحمد عاصم، الخبير في أمراض الدم وعلاج الهيموفيليا، فإن ارتفاع الحالات المكتشفة لا يعني بالضرورة انتشارا جديدا للمرض، بل يعكس تحسن أدوات التشخيص وقدرة المؤسسات الطبية على الوصول إلى مرضى كانوا خارج الإحصاءات.

 

ويشرح عاصم أن الهيموفيليا اضطراب نادر يمنع تجلط الدم بصورة طبيعية، ما يجعل النزيف أطول وأكثر خطورة بعد الإصابات، ويؤكد أن المريض يحتاج إلى متابعة وعلاج منتظمين لتقليل مضاعفات المفاصل والنزيف الداخلي والتدخلات الطارئة.

 

ومع ذلك، يعتمد أكثر من 30% من المرضى في مصر على المنح المجانية بدرجات متفاوتة، وهو ما يجعل أي تأخير جمركي قادرا على ضرب شبكة الأمان العلاجية لفئة واسعة لا تملك بدائل مستقرة أو مضمونة.

 

وعلاوة على ذلك، يوضح هذا الاعتماد حجم الفجوة بين احتياجات المرضى وبين قدرة المنظومة المحلية على توفير عوامل التجلط بصورة مستدامة، إذ لا يفترض أن تبقى حياة آلاف المواطنين مرتبطة كل عام بموعد وصول منحة خارجية.

 

 

فجوة العلاج المستدام

 

ومن ثم، تصبح المشكلة أعمق من شحنة محتجزة، لأنها تكشف غياب مسار سريع للأدوية المنقذة للحياة، وعدم وجود آلية ملزمة تتجاوز التعقيدات البيروقراطية عندما تكون تكلفة التأخير نزيفا أو إعاقة أو وفاة يمكن تفاديها.

 

وفي السياق نفسه، تؤكد خبرة الاتحاد العالمي للهيموفيليا أن المساعدات الإنسانية تنقذ الأرواح وتتيح العلاج الوقائي والجراحات الضرورية، لكن انتظام وصولها وسهولة توزيعها يمثلان شرطين أساسيين حتى تحقق هذه البرامج هدفها داخل الدول المستفيدة.

 

ويشير الدكتور أسعد حفار، مدير المساعدات الطبية والإنسانية والتدريب الطبي بالاتحاد العالمي للهيموفيليا، إلى أن التبرعات وفرت خلال سنوات العلاج لآلاف المرضى، وساعدت على الانتقال من تدبير النزيف الطارئ إلى الوقاية والرعاية الأكثر استقرارا.

 

غير أن حفار يشدد في تقارير الاتحاد على أن التبرعات الإنسانية لا ينبغي أن تصبح بديلا دائما عن أنظمة علاج وطنية ممولة ومستدامة، لأن الهدف النهائي هو وصول منتظم وعادل للعلاج تحت مسؤولية الحكومات والمؤسسات الصحية المحلية.

 

وبناء على ذلك، تبدو الأزمة المصرية مثالا واضحا على الخطر الذي يحذر منه هذا النهج، إذ يجتمع الاعتماد على المنح مع بطء الإفراج عنها، فتتضاعف هشاشة المرضى بدلا من أن تتحول المساعدات إلى جسر مؤقت نحو الاستدامة.

 

وفي مواجهة الانتقادات، قالت النائبة إيرين سعيد إن هيئة الدواء أصدرت موافقاتها منذ 17 مايو 2026، وإن اتصالات جرت مع الجهات المعنية لفتح الشهادة الجمركية والإفراج عن الشحنة، ما يؤكد أن التعطيل وقع بعد الموافقة الدوائية.

 

أما وزير الصحة خالد عبدالغفار، فقال إن أزمة نواقص أدوية الهيموفيليا والثلاسيميا تتجه إلى الانفراج، وإن التنسيق قائم لتسريع الإفراج الجمركي وتأمين الإمدادات، لكن هذه الوعود تظل رهينة التنفيذ الفعلي ووصول الجرعات إلى المرضى.

 

 

العلاج الجيني والأمل

 

وفي الوقت نفسه، تبرز مفارقة قاسية بين واقع المرضى في مصر والتطور العلمي العالمي، إذ أظهرت أبحاث العلاج الجيني للهيموفيليا نتائج طويلة الأمد لدى بعض المرضى بعد جرعة واحدة، مع استمرار المتابعة لتقييم الأمان والفاعلية.

 

وعلميا، أظهرت دراسات مرتبطة بجامعة كوليدج لندن أن بعض مرضى الهيموفيليا من النوع ب حافظوا على فوائد علاج جيني لسنوات طويلة بعد تلقي جرعة واحدة، ما يفتح آفاقا لتقليل الاعتماد على الحقن المتكررة.

 

لكن هذا التقدم لا يلغي الحاجة العاجلة إلى أدوية عوامل التجلط الحالية، لأن العلاجات الجينية ليست متاحة لكل المرضى ولا تمثل حلا فوريا لأزمة الإمداد، بينما يبقى النزيف الحاد محتاجا إلى تدخل سريع ومضمون.

 

وفي المحصلة، تكشف أزمة منحة الهيموفيليا أن الدولة لا تواجه نقص دواء فقط، بل اختبارا مباشرا لكفاءة مؤسساتها في حماية الحق في الحياة، إذ يصبح كل يوم تأخير عبئا طبيا وإنسانيا لا يمكن تبريره بالروتين.