المراقبة منزلة عظيمة من منازل الإيمان، بها يستشعر العبد قرب الله منه، وإحاطته بأعماله وأقواله وخواطره، فيستقيم ظاهره ويطهر باطنه، ويستحي أن يراه الله حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره.
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «مدارج السالكين: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين» أن المراقبة هي: «دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت، وكل لحظة، وكل نفس، وكل طرفة عين».
ثم قال رحمه الله: «والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات، فكيف بحال المريدين؟ فكيف بحال العارفين؟».
وقال أيضًا: «من راقب الله في خواطره، عصمه الله في حركات جوارحه».
معنى المراقبة
المراقبة ليست كلمة تقال باللسان، وإنما هي يقين يسكن القلب، بأن الله سبحانه يرى العبد في كل أحواله، ويعلم سره ونجواه، ويطلع على نيته وخاطرته، فلا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.
قال ابن القيم رحمه الله: «والمراقبة هي التعبد بأسمائه: الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة».
فمن آمن بأن الله هو الرقيب، استحيا أن يعصيه، ومن أيقن بأنه العليم، طهر سريرته، ومن علم أنه السميع، حفظ لسانه، ومن استشعر أنه البصير، غض بصره وحفظ جوارحه.
وقد قال أحد الصالحين: «والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه».
الإيمان يظهر في الخلوات
إذا أردت أن تعرف حقيقة إيمانك، فلا تنظر إلى حالك أمام الناس فقط، ولكن راقب نفسك حين تخلو، حيث لا يراك أحد من البشر، وحيث تسقط الأقنعة، وتظهر حقيقة القلب.
إن الإيمان لا يظهر فقط في صلاة ركعتين، أو صيام نهار، وإنما يظهر في مجاهدة النفس والهوى، وفي اللحظة التي يقدر فيها الإنسان على المعصية، ثم يتركها خوفًا من الله وتعظيمًا له.
وهكذا كان يوسف عليه السلام، فقد اجتمعت له دواعي المعصية، وتهيأت أسبابها، ثم استعصم بالله وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، فرفعه الله وطهر ذكره وأعلى مقامه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
فما صعد يوسف عليه السلام، ولا سعد وعلا قدره، إلا في مثل ذلك المقام، حين غلب خوفه من الله شهوته، وآثر رضا ربه على هوى نفسه.
الرجل من يستحي من الله
أتدري من الرجل حقًا؟
الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدر عليه، تذكر وتفكر، وعلم أن الله يراه، فنظر إلى نظر الحق إليه، واستحيا من ربه أن يعصيه وهو يراه.
الله الله في مراقبة الحق جل في علاه.
الله الله في الخلوات.
الله الله في البواطن.
الله الله في النيات.
فإن عليكم من الله عينًا ناظرة، لا تغفل ولا تنام، تعلم السر وأخفى، وتعلم ما تخفيه الصدور وما توسوس به النفوس.
قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
آثار الذنوب والغفلات
أف للذنوب، ما أقبح آثارها، وما أسوأ أخبارها، وما أشد ظلامها على القلوب.
وهل تحدث الذنوب إلا في الغفلات والخلوات، حين ينسى العبد نظر الله إليه، ويغيب عن قلبه علمه بأن الله مطلع عليه؟
فالعبد إذا استحضر مراقبة الله، استصغر لذة المعصية، وعظم في قلبه مقام الرب، وعلم أن لحظة اللذة تزول، ولكن أثر الذنب قد يبقى في القلب والعمل والحياة.
أما إذا غفل القلب، أقبلت النفس على شهواتها، واستهانت بالنظر والقول والفعل، حتى تتراكم الذنوب، وتقسو القلوب، ويضعف الحياء من الله.
المراقبة تورث الخشية
المراقبة الصادقة تولد في النفس الخشية، وتجعل القلب دائم الخوف من سوء العاقبة، فلا يغتر العبد بعمله، ولا يأمن مكر الله، ولا يظن أن ظاهر الصلاح يكفيه إذا فسد باطنه.
ومن أبلغ المواقف في ذلك موقف محمد بن المنكدر، العابد الزاهد البكاء، حين رق قلبه وهو يتدبر القرآن في قيام الليل، فوقف أمام آية أبكته خوفًا من أن يظهر له يوم القيامة ما لم يكن يحتسب.
قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثنا يحيى بن الفضل الأنيسي، سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى، فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله، وسألوه، فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء.
فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء إليه، فقال: ما الذي أبكاك؟ قال: مرت بي آية، قال: وما هي؟ قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، فبكى أبو حازم معه، فاشتد بكاؤهما.
وموقف آخر لمحمد بن المنكدر يرويه عفيف بن سالم، عن عكرمة بن إبراهيم، عن ابن المنكدر، أنه جزع عند الموت، فقيل له: لم تجزع؟
فقال: أخشى آية من كتاب الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
وهذه حال من عرف ربه، فلم يغتر بعبادته، ولم يركن إلى عمله، بل ظل خائفًا من التقصير، راجيًا رحمة الله، يسأل الله حسن الخاتمة والقبول.
تدبر آيات المراقبة
قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
فهذه الآيات تربي المؤمن على دوام المراقبة، وتغرس في قلبه أن الله يعلم ما في نفسه، ويراه أينما كان، ويراقب حركات عينه، ويعلم ما يخفيه صدره.
المراقبة مقام الإحسان
وفي حديث جبريل عليه السلام، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال له: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وهذا الحديث يجمع حقيقة المراقبة كلها، فالعبد إما أن يعبد الله على مقام المشاهدة القلبية، كأنه يرى آثار عظمته وجلاله، وإما أن يعبده على مقام المراقبة، مستحضرًا أن الله يراه.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب، صلحت العبادة، واستقامت الأخلاق، وطهرت السرائر، وصار العبد في خلوته كما هو في علانيته، بل ربما كان في الخلوة أشد خشية واستقامة.
الخاتمة
يا عبد الله، راقب قلبك قبل جوارحك، وراقب خواطرك قبل كلماتك، وراقب نيتك قبل عملك، فإن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال، وإنما يعلم ما في القلوب، ويحاسب على السرائر والأعمال.
وتذكر دائمًا أنك قد تختفي عن أعين الناس، ولكنك لا تختفي عن عين الله، وقد تغلق الأبواب، ولكن علم الله لا يحجبه باب، وقد تمحو آثار فعلك، ولكنها لا تمحى من كتاب الله.
فاجعل لك خبيئة من طاعة، كما تخشى أن تكون لك خبيئة من معصية، واستح من الله في خلواتك، وأصلح ما بينك وبينه، فإن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، واجعلنا ممن يراقبونك في السر والعلن، وطهر قلوبنا ونياتنا وأعمالنا، وارزقنا مقام الإحسان، وحسن الخاتمة، والقبول والرضوان.

