وثقت منظمة هيومن رايتس إيجيبت وفاة 22 محتجزا داخل السجون وأقسام الشرطة المصرية بين يناير ويونيو 2026، وقالت إن الإهمال الطبي والتعذيب وسوء المعاملة حوّل أماكن الاحتجاز إلى مساحات تهدد الحق في الحياة.

 

وتكشف الحصيلة، التي توزعت على ستة أشهر، اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن مراكز الإصلاح والتأهيل والواقع الذي تصفه أسر الضحايا والمنظمات الحقوقية، حيث المرض بلا علاج والشكوى بلا تحقيق والموت بلا مساءلة.

 

 

نزيف متصاعد خلف الجدران

 

وبدأت الوقائع في يناير بأربع وفيات، بينها ثلاث حالات نُسبت إلى الإهمال الطبي وحالة ارتبطت بالتعذيب، ما أظهر مبكرا أن العام الجديد لم يحمل تغييرا في نمط الانتهاكات المتكرر داخل السجون ومقار الاحتجاز.

 

فقد توفي محمد جابر سعد مسعود داخل سجن برج العرب بعد 21 عاما من الاحتجاز، بينما أنهى محمد أبو العلا حياته شنقا في ليمان أبو زعبل 2 عقب ما وصفته المنظمة بالتعذيب وسوء المعاملة.

 

كما توفي المحامي شمس الدين أحمد عطا الله في سجن العاشر من رمضان بعد تدهور صحته وحرمانه من العلاج المناسب، بينما قضى المهندس عبد العال خضيرة إثر التهاب كبدي وتسمم في الدم.

 

ثم ارتفعت الوفيات في فبراير إلى ست حالات، ثلاث منها بسبب الإهمال الطبي وثلاث اتصلت بالتعذيب، لتصبح تلك الفترة الأكثر دموية خلال النصف الأول من العام، وفقا للحصر الحقوقي المنشور عن الضحايا.

 

ومن بين الضحايا الأستاذ الجامعي جلال السحلب، الذي توفي بمستشفى سجن بدر بعد إصابته بالشلل وحرمانه من العلاج، عقب نحو 13 عاما من الاحتجاز، بما يعكس خطورة إبقاء المرضى طويلا خلف القضبان.

 

وفي السياق نفسه، توفي محمود رجب فراج داخل مركز شرطة أوسيم أثناء احتجازه على ذمة قضية نفقة، مع ظهور إصابات أثارت شبهة التعذيب والصعق الكهربائي، وهو ما يستوجب تحقيقا مستقلا وعلنيا.

 

كذلك شهد فبراير وفاة المدرس سامح عامر بعد تدهور مشكلات صمامات القلب داخل سجن بدر 3، ثم وفاة علي محمود عبد العال وعمرو جميل محمود داخل قسمي العجوزة و15 مايو بعد احتجاز قصير.

 

ويقول المحامي الحقوقي هيثم محمدين إن بنية السجون المصرية غير ملائمة للمرضى، وإن التكدس ورداءة المرافق وغياب التجهيزات الأساسية تجعل الأمراض البسيطة أكثر خطورة، وتضاعف معاناة المصابين بأمراض مزمنة أو حركية.

 

 

إهمال يتحول إلى عقوبة

 

وخلال مارس سجلت المنظمة أربع وفيات، ثلاث منها بسبب الإهمال الطبي وواحدة نتيجة ظروف الاحتجاز، وكان بين الضحايا إبراهيم هاشم السيد، محفظ القرآن الذي توفي بسجن المنيا بعد 11 عاما خلف القضبان.

 

وفي الشهر ذاته، توفي المحامي جمال صابر في مركز التأهيل بوادي النطرون، والأستاذ الجامعي نبيل جميل إسماعيل في سجن المنيا شديد الحراسة، بعد سنوات طويلة من الاحتجاز وتدهور صحي بلا استجابة كافية.

 

أما المهندس يوسف محمد علي، البالغ 31 عاما، فتوفي داخل معسكر قوات أمن العاشر من رمضان إثر سكتة قلبية مفاجئة، في واقعة تعيد طرح أسئلة الفحص الطبي والاستجابة العاجلة داخل أماكن الاحتجاز.

 

وبحلول أبريل توفي ثلاثة محتجزين، جميعهم بحسب التوثيق نتيجة الإهمال الطبي، بينهم المدرس عمر الفاروق أحمد عبد الله الذي سقط داخل قاعة المحكمة بعد أربعة أشهر فقط من احتجازه دون رعاية مناسبة.

 

وفي اليوم التالي توفي حمدي عبد الحق داخل سجن المنيا بعد نحو عام ونصف من الحبس الاحتياطي، ثم توفي السيد محمود عبد العال بمستشفى الأحرار متأثرا بفشل كلوي تفاقم خلال سنوات الاحتجاز.

 

ويؤكد محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن غياب الرقابة المستقلة والتحقيق الجاد يفتح الباب لاستمرار الانتهاكات، لأن المسؤولين عن أماكن الاحتجاز لا يواجهون محاسبة فعالة عند وقوع وفيات أو تعذيب.

 

وبالتالي لا يمكن فصل هذه الحالات عن تعطيل الدور الرقابي القانوني للنيابة العامة، التي يخولها القانون تفتيش السجون والاستماع إلى شكاوى المحتجزين والتحقق من سلامة أوضاعهم الصحية وشرعية استمرار احتجازهم.

 

كما أن ندرة البيانات الرسمية المفصلة بشأن أسباب الوفاة ونتائج التشريح والتحقيقات تزيد الشكوك، وتترك أسر الضحايا أمام روايات أمنية مغلقة لا تستطيع مراجعتها أو الطعن فيها أمام جهة مستقلة.

 

 

غياب الرقابة يكرس الإفلات

 

وفي مايو سجلت حالتا وفاة، الأولى لأحمد حسن أبو زيد بعد مضاعفات السرطان داخل سجن المنيا، والثانية لمحمد مختار سلال داخل سجن جمصة بعد تدهور مرض كبدي خلال قضائه حكما بالسجن.

 

ثم شهد يونيو ثلاث وفيات إضافية، شملت محمد سيد عبد الرحيم داخل سجن بدر بعد أكثر من 12 عاما من الاحتجاز، وسيد كامل حداد في ليمان المنيا عقب أزمة قلبية وتأخر الرعاية الطبية.

 

وفي نهاية الشهر توفي أمين المكتبة أيمن رمزي بطرس داخل مقر احتجاز غير معلوم، بعد 24 يوما فقط من توقيفه، وهي واقعة تثير أسئلة مضاعفة حول مكان الاحتجاز وظروفه ومسؤولية الأجهزة عنه.

 

ومن جانبه، انتقد حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قصور آليات التفتيش الرسمية، معتبرا أن الاكتفاء بمراجعة الملفات الطبية دون مقابلة المحتجزين مباشرة يفرغ الرقابة من مضمونها ويعطل كشف الانتهاكات.

 

وعلاوة على ذلك، تؤكد منظمة العفو الدولية أن حرمان المحتجزين من الرعاية الصحية قد يكون متعمدا وعقابيا، وأن ظروف الاحتجاز القاسية أسهمت في وفيات وأضرار صحية دائمة، بما يخالف التزامات مصر القانونية.

 

وبناء على ذلك، فإن حصر 22 وفاة لا يمثل أرقاما منفصلة، بل يكشف سلسلة متصلة من الأعطال المؤسسية تبدأ بالقبض والاحتجاز، وتمر بالحرمان من العلاج، وتنتهي بدفن الضحايا دون مساءلة شفافة.

 

ومن ثم تتحمل النيابة العامة مسؤولية مباشرة في فتح تحقيقات مستقلة بكل حالة، وسماع الأسر والمحامين والمحتجزين، والتحفظ على التسجيلات والدفاتر الطبية، وإعلان نتائج واضحة تحدد المسؤولية الجنائية والإدارية دون مواربة.

 

غير أن وقف النزيف يتطلب أيضا السماح لمنظمات مستقلة بزيارة السجون، وتمكين الأطباء من اتخاذ قرارات العلاج والنقل دون تدخل أمني، والإفراج الصحي عن المرضى الذين يهدد استمرار احتجازهم حياتهم بصورة حقيقية.

 

وأخيرا، يضع النصف الأول من 2026 السلطات المصرية أمام اتهام ثقيل بأن السجن لم يعد مكانا لتنفيذ العقوبة، بل بيئة قد تنتج الموت بالصمت والحرمان، بينما تبقى الضمانات القانونية حبرا بلا أثر.