صدّق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي  على القانون رقم 147 لسنة 2026 الخاص بتوسيع صلاحيات جهاز مستقبل مصر، واستقبل وزير الداخلية في العلمين، بالتزامن مع توسع مشروع رأس الحكمة الإماراتي، لتتجمع 3 رسائل تعزز قبضة السلطة وتعمق الارتهان للأرض والمال.

 

جاءت التحركات بعد مظاهرات شارك فيها آلاف التونسيين ضد تدهور المعيشة والحكم الفردي، في مشهد إقليمي يذكّر الأنظمة بأن الغضب الاجتماعي لا تمنعه القبضة الأمنية ولا تخفيه المنتجعات وصفقات الاستثمار الضخمة.

 

رسائل الأمن والشارع

 

أولاً، استقبل السيسي وزير الداخلية محمود توفيق بمدينة العلمين في لقاء مقتضب لم تعلن الرئاسة تفاصيله، قبل حركة تنقلات الوزارة، بما أعاد فتح التساؤلات حول أولوية الأمن في مواجهة أي ارتدادات شعبية محتملة.

 

وفي المقابل، خرج آلاف التونسيين إلى شارع الحبيب بورقيبة يوم 25 يوليو 2026، مطالبين برحيل قيس سعيّد، ومحتجين على تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بعد 5 سنوات من تركيز السلطات في يد واحدة.

 

وبذلك، لا توجد أدلة معلنة تثبت ارتباط اللقاء المصري مباشرة بمظاهرات تونس، لكن تزامن الحدثين يسمح بقراءة نقدية ترى أن الأنظمة المتشابهة تراقب بعضها وتستخلص الدروس الأمنية من غضب الشارع.

 

ومن جهته، حذر الخبير الاقتصادي التونسي العربي بن بوهالي من أن استمرار الاعتماد على التمويل المباشر للخزانة لن ينقذ الاقتصاد، معتبراً أن غياب الإصلاحات الحقيقية يفاقم نقص السيولة وتدهور الخدمات الأساسية.

 

إلى جانب ذلك، اختارت الرئاسة إعلان اللقاء من دون بيان يشرح الملفات التي نوقشت، وهو غموض يزيد الشكوك ولا يبددها، خصوصاً حين يتزامن الاجتماع مع قرارات اقتصادية تمس الأرض والملكية العامة.

 

وعوضاً عن فتح المجال العام، تواصل السلطة المصرية إحكام السيطرة على المؤسسات والإعلام والنقابات، بينما تتحول الأزمات المعيشية إلى عبء يومي يدفعه المواطن وحده، وتبقى دوائر القرار بعيدة عن المساءلة.

 

قانون يوسع الإمبراطورية

 

ثانياً، منح القانون رقم 147 جهاز مستقبل مصر وضع هيئة اقتصادية تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، مع صلاحيات واسعة في الزراعة والصناعة والاستيراد وإدارة الأراضي والشركات، بما يخلق كياناً ضخماً فوق الوزارات التقليدية.

 

كما يتيح التنظيم الجديد ضم أراض وأصول وحصص مملوكة للدولة إلى الجهاز، وإنشاء مناطق تنمية تتمتع بمزايا وإعفاءات، وهو ما يفتح الباب لنقل الثروة العامة بقرارات تنفيذية محدودة الشفافية والرقابة

.

وبحسب الباحثة الاقتصادية ندى عرفات، يجمع القانون داخل الجهاز وظائف التخطيط والترخيص والتخصيص والاستثمار والتحصيل، بما يصنع تضارباً مؤسسياً خطيراً، لأن الجهة نفسها تصبح منظماً للسوق ومنافساً ومستفيداً من قراراتها.

 

فضلاً عن ذلك، توسع الجهاز خلال عامين من استيراد القمح وإدارة المصايد والبحيرات إلى العقارات والطاقة والغذاء والطب والدواجن، في انتقال سريع لم يصاحبه إفصاح تفصيلي مماثل عن الميزانيات والعقود والعوائد.

 

لذلك، يبدو القانون أقرب إلى تفويض اقتصادي مفتوح منه إلى إعادة تنظيم إداري، لأنه يمنح كياناً مرتبطاً بالرئاسة أدوات الاستحواذ والتأسيس والتخصيص، بينما تتراجع قدرة البرلمان والمواطنين على مراقبة المال العام.

 

ومن ناحية أخرى، يرتبط الجهاز بقيادات وخلفيات عسكرية، ما يدفع منتقدين إلى اعتبار توسيع امتيازاته محاولة لتأمين مصالح المؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد، غير أن الجريدة الرسمية لم تعلن هذا الدافع صراحة.

 

ويشرح الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن إنشاء كيانات موازية لا يصلح المؤسسات الحكومية المتعثرة، بل يسحب اختصاصاتها ويضاعف الازدواجية، ويحوّل الفشل الإداري إلى ذريعة لتكوين مراكز قوة أقل خضوعاً للمحاسبة.

 

الساحل مقابل السيولة

 

ثالثاً، جاء القانون بينما تواصل شركة مدن الإماراتية تطوير رأس الحكمة، البالغة بصفقة قيمتها الأساسية 35 مليار دولار، على مساحة تقارب 170.8 مليون متر مربع من الساحل الشمالي المصري الواسع.

 

وفي السياق نفسه، أطلقت مدن مع ناموس للفنادق والمنتجعات مشروع ناموس رأس الحكمة داخل المخطط الرئيسي، الذي تستهدف الشركة أن يجذب استثمارات تبلغ 110 مليارات دولار بحلول عام 2045 مستقبلاً.

 

غير أن التوسع الإماراتي يعيد السؤال عن الثمن الحقيقي للسيولة السريعة، إذ تحصل شركات أجنبية على مساحات ساحلية هائلة وفرص طويلة الأجل، بينما لا يملك المصريون معلومات كافية عن الشروط والعوائد والالتزامات.

 

وعلاوة على ذلك، يخشى منتقدون أن تتحول المناطق الساحلية إلى جزر فاخرة مغلقة، تُسعّر بالدولار وتخدم الأثرياء، فيما يواجه سكان البلاد نقص الخدمات وارتفاع الإيجارات وتآكل الدخول وتراجع القدرة على السكن.

 

ويؤكد الخبير الاستثماري ليسلي ماسدورب أهمية تمكين القطاع الخاص لقيادة النمو المستدام، وهو ما يصطدم بواقع تحصل فيه كيانات بعينها على الأرض والإعفاءات والنفوذ والقدرة على تجاوز الإجراءات المعتادة.

 

وبناءً على ذلك، لا يمكن فصل صفقة الساحل عن بنية الحكم التي تستخدم الأصول العامة لسد فجوات النقد الأجنبي، ثم تقدم البيع باعتباره إنجازاً، من دون نقاش مجتمعي حول البدائل أو حدود التنازل.

 

كذلك، يجمع المشهد بين جهاز اقتصادي واسع الصلاحيات وصفقات أرض ضخمة واجتماع أمني غامض، وهي عناصر لا تثبت مؤامرة واحدة، لكنها تكشف اتجاهاً ثابتاً نحو تركيز السلطة والثروة وإضعاف الرقابة.

 

وبالتوازي، تبدو مظاهرات تونس تحذيراً قريباً من أن تراكم الغلاء والبطالة وانسداد المجال العام قادر على كسر حاجز الخوف، مهما طال عمر الإجراءات الاستثنائية أو اتسعت صلاحيات أجهزة الدولة الأمنية.

 

أما في مصر، فتراهن السلطة على مزيج من القبضة الأمنية وامتيازات المؤسسات وصفقات الخليج، بينما يُطلب من المواطنين تحمل الديون والضرائب وارتفاع الأسعار، من دون تمثيل حقيقي في القرارات التي تبدل ملكية بلدهم.

 

وفي النهاية، لا تثبت الوقائع أن السيسي تحرك خوفاً من تونس أو لإغراء الجيش والإمارات، لكنها تدعم نقداً أشد خطورة، وهو أن الحكم يبني بقاءه على الأمن والامتيازات وبيع الأصول بدلاً من الشرعية والمساءلة.