أعلنت مؤسسة الرئاسة، عقب اجتماع في مدينة العلمين ضم قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ومصطفى مدبولي ومحمد عبد اللطيف، خطة تشمل إنشاء 100 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية بالتعاون مع إيطاليا و38 مدرسة فنية مصرية ألمانية، بما يعيد ملف التعليم إلى الواجهة.

 

ويكشف هذا الاستعراض الرسمي تناقضا صارخا بين وعود بناء الإنسان وخطاب سابق قلل من قيمة التعليم في وطن وصفه السيسي بالضائع، بينما دفعت الأسر طوال سنوات ثمن الإهمال عبر الدروس الخصوصية والفصول المزدحمة وتدهور المدارس الحكومية.

 

وبحسب البيان، تتجه الحكومة إلى توسيع الشراكات مع ألمانيا وإيطاليا واليابان، والاستفادة من خبرات جامعات دولية في تطوير المناهج وتدريب المعلمين، مع إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية ضمن مسارات التعليم الجديدة.

 

في المقابل، لا تقدم الاجتماعات وحدها دليلا على تغير حقيقي، لأن المنظومة اختبرت سابقا موجات متتالية من المبادرات والشعارات، ثم اصطدمت بضعف التمويل وغياب الاستقرار التشريعي وقرارات فوقية أربكت الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.

 

وعلاوة على ذلك، تعيد عبارة يعمل إيه التعليم في وطن ضايع طرح سؤال جوهري حول مسؤولية السلطة نفسها، إذ لا يمكن فصل تراجع المدرسة عن سياسات اقتصادية واجتماعية عمقت الفقر وأضعفت الطبقة الوسطى وحولت التعليم إلى عبء يومي.

 

ومن ثم، فإن الانتقال المفاجئ من التقليل من أثر التعليم إلى تقديمه بوصفه محورا لبناء الدولة لا يمحو سنوات التأخير، ولا يعفي الحكومة من كشف أسباب تعطيل الإصلاح الحقيقي رغم توافر التحذيرات والدراسات والخبرات المحلية.

 

أما التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، فيمكن أن يفتح مسارات مهنية مطلوبة، لكنه يثير مخاوف من تكريس تعليم طبقي يوجه أبناء الفقراء مبكرا إلى سوق العمل، بينما تظل المدارس الدولية والخاصة بوابة أبناء القادرين إلى الجامعات والفرص الأفضل.

 

وبالتالي، يصبح معيار النجاح مرتبطا بقدرة هذه المدارس على ضمان تعليم إنساني متكامل، لا مجرد تدريب محدود لخدمة المصانع، مع توفير حقوق الخريجين في استكمال الدراسة والتنقل المهني والحصول على أجور عادلة وشهادات معترف بها.

 

 

مدرسة عامة بلا عدالة

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن أزمة التعليم لا تعالج بتعديل المناهج منفردا، بل تحتاج مشروعا وطنيا يواجه التفاوت بين أنماط التعليم ويعيد الاعتبار للمدرسة العامة باعتبارها أساس العدالة الاجتماعية.

 

كذلك، حذر مغيث في مواقف سابقة من أن ازدواج النظم التعليمية يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، وهو تحذير يكتسب أهمية مع طرح البكالوريا المصرية ومسارات فنية متعددة دون حوار مجتمعي واسع أو ضمانات واضحة للمساواة.

 

إضافة إلى ذلك، ترتبط أزمة الكثافة عند مغيث بضعف البيئة التعليمية وهروب الطلاب إلى الدروس الخصوصية، ولذلك فإن خفض الأعداد على الورق أو إعادة توزيع الفراغات لن يكون بديلا عن بناء مدارس وتعيين معلمين وتحسين شروط التعلم.

 

غير أن الخطط المعلنة لم توضح بدقة حجم التمويل المستدام، أو نصيب المدارس الحكومية القديمة من التطوير، أو كيفية توزيع المدارس الجديدة جغرافيا، بما يترك الباب مفتوحا أمام تركيز المشروعات في مناطق محددة واستمرار الحرمان في القرى والأطراف.

 

ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل جودة التعليم عن أوضاع المعلمين، الذين يواجه كثير منهم أجورا لا تواكب تكاليف المعيشة، وأعباء إدارية متزايدة، وفصولا مكتظة، ثم تحملهم السلطة مسؤولية فشل منظومة لم توفر لهم أدوات النجاح.

 

 

المعلم خارج الحسابات

 

لهذا، يؤكد الخبير التربوي مجدي حمزة أن إصلاح التعليم يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم ماديا ومعنويا، وتوفير معلمين مؤهلين لسد العجز، لأن المناهج الحديثة والتكنولوجيا لا تعملان داخل فصل بلا مدرس مستقر ومدرب ومحترم.

 

وبناء على ذلك، تبدو الاستعانة بجامعة هارفارد في تدريب المعلمين خطوة محدودة ما لم ترتبط بسياسة وطنية دائمة تشمل الرواتب والترقي والتدريب أثناء الخدمة وتقليل الأعباء، بدلا من دورات موسمية تستهلك الموارد دون تغيير ملموس داخل الفصول.

 

ومع ذلك، يظل العجز في أعداد المعلمين أحد أخطر التحديات، إذ يؤدي إلى دمج الفصول وتكليف غير المتخصصين وزيادة الأنصبة، بينما تتوسع الوزارة في مناهج ومسارات جديدة تحتاج كوادر إضافية وقدرات تدريسية أكثر تعقيدا.

 

وفي الوقت نفسه، تضغط الدروس الخصوصية على ميزانيات الأسر وتحول مجانية التعليم إلى شعار فارغ، لأن المدرسة التي تفقد دورها التعليمي تدفع الطالب إلى سوق موازية تميز بين من يستطيع الدفع ومن يبقى محاصرا بالتهميش.

 

فضلا عن ذلك، تحتاج الثقافة المالية والبرمجة والذكاء الاصطناعي إلى بنية رقمية عادلة، تشمل أجهزة واتصالا مستقرا وتدريبا فعليا، وإلا تحولت المواد الجديدة إلى محتوى نظري آخر يحفظه الطلاب للامتحان دون اكتساب مهارة قابلة للاستخدام.

 

 

شراكات بلا إصلاح

 

في الأثناء، يطرح الخبير التعليمي حسام بدراوي رؤية تعتبر المعلم أساس فرصة الإنقاذ، وتربط إصلاح التعليم ببناء شخصية الطالب وتطوير اللغات والعلوم والتكنولوجيا وفق معايير دولية، لا بمجرد تغيير أسماء المقررات ونظم الامتحانات.

 

ومن وجهة نظر بدراوي، لا ينجح التطوير من دون رؤية مستقرة تتجاوز تبدل الوزراء، وهو ما يضع السلطة أمام اختبار الاستمرارية، لأن التعليم المصري تعرض خلال سنوات قصيرة لتغييرات متلاحقة أرهقت المدارس وأفقدت المجتمع الثقة.

 

وعليه، فإن التعاون مع جامعة هيروشيما أو مؤسسات ألمانية وإيطالية قد يوفر خبرات مفيدة، لكنه لا يغني عن توطين المعرفة وإشراك كليات التربية والباحثين المصريين والنقابات والمعلمين في صياغة السياسات وتقييم نتائجها بصورة مستقلة.

 

في المقابل، يثير غياب المشاركة المجتمعية مخاوف من فرض البكالوريا الجديدة باعتبارها أمرا واقعا، خصوصا مع تأثيرها المباشر في مستقبل ملايين الطلاب، وحاجتها إلى قواعد قبول جامعي واضحة وقدرة متساوية على دراسة المسارات المتاحة.

 

ثم إن ربط التعليم باحتياجات سوق العمل يظل مطلبا منطقيا، لكنه يصبح خطرا عندما يخضع بالكامل لأولويات المستثمرين، لأن وظيفة المدرسة لا تقتصر على إنتاج عامل ماهر، بل تشمل تكوين مواطن قادر على التفكير والنقد والمشاركة.

 

وفوق ذلك، لا يكفي منح شهادات معتمدة من ألمانيا إذا ظل الاقتصاد عاجزا عن توفير وظائف لائقة، لأن البطالة وتدني الأجور وهجرة الكفاءات ستبدد أثر أي تدريب، وتعيد إنتاج الإحباط بين الخريجين مهما تحسنت مسميات المدارس.

 

وعلى هذا الأساس، يبدو السؤال الحقيقي ليس ما إذا تغير خطاب السيسي، بل ما إذا تغيرت سياسات الدولة فعلا، وهل ستوجه الموارد إلى الفصول والمعلمين والقرى، أم تظل الأولوية لمشروعات دعائية تمنح السلطة صورا براقة.

 

أخيرا، يظل التعليم أداة لإنقاذ الدولة لا مكافأة تمنح بعد إنقاذها، ولذلك فإن عبارة الوطن الضائع ترتد على صاحبها، لأن السلطة التي أهملت المدرسة ثم اكتشفت أهميتها متأخرة مطالبة بالاعتراف بالفشل قبل إعلان بداية جديدة.

 

وخلاصة الأمر، لن تقاس قيمة اجتماع العلمين بعدد الاتفاقيات أو أسماء الجامعات الأجنبية، بل بمدرسة حكومية آمنة ومعلم كريم وطالب لا يحتاج درسا خصوصيا، وبنظام عادل لا يجعل مستقبل الطفل رهينة دخل أسرته أو مكان ميلاده.