كشفت مصادر حقوقية عن دخول معتقلي عنبر 8 في سجن الوادي الجديد إضرابًا مفتوحًا منذ الأربعاء الماضي، احتجاجًا على ظروف احتجاز قاسية وانتهاكات متصاعدة، ما ينذر بتفاقم أوضاعهم الصحية والإنسانية داخل السجن.

 

وتأتي الواقعة ضمن مشهد سياسي يستخدم السجون أداة لإخضاع المعارضين ومعاقبة أسرهم، بينما تتحول الحقوق الأساسية إلى امتيازات تمنحها الإدارة أو تحجبها، في انتهاك فاضح للكرامة الإنسانية وضمانات القانون والدستور المصري.

 

 

التصعيد يطال العائلات

 

وبحسب المعلومات المتداولة، بدأ الإضراب بعد تصاعد القيود المفروضة على المعتقلين وتدهور المعاملة اليومية، وسط شكاوى من إجراءات تستهدف كسر إرادتهم وإجبارهم على قبول واقع احتجاز يفتقر إلى الحد الأدنى من الإنسانية.

 

وفي المقابل، لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي مفصل بشأن مطالب المضربين أو حالتهم الصحية أو الإجراءات المتخذة داخل العنبر، وهو صمت يضاعف المخاوف من محاولة احتواء الأزمة بعيدًا عن الرقابة العامة.

 

ومن ناحية أخرى، أفادت شهادات أسرية بأن إدارة السجن صعدت ضغوطها خلال الزيارات، عبر إخضاع نساء من ذوي المعتقلين لتفتيش وصف بالمهين، بما يحول الزيارة من حق قانوني إلى وسيلة إذلال جماعي.

 

وعلى صعيد متصل، لا يمكن فصل ما جرى عن سجل متكرر وثقته منظمات حقوقية بشأن التفتيش الجسدي المهين للزائرات في سجون مصرية، واعتباره أداة ترهيب تمتد بالعقاب من السجين إلى أسرته.

 

وبالتالي، تصبح النساء هنا هدفًا مباشرًا لسياسة ضغط لا علاقة لها بمتطلبات الأمن المنضبط، إذ يجري المساس بخصوصيتهن وكرامتهن عمدًا لإبلاغ المعتقلين بأن احتجاجهم سيجلب العقاب والإهانة إلى عائلاتهم.

 

كما أن استخدام الزيارات للانتقام من المضربين يفرغها من وظيفتها الإنسانية، ويحولها إلى ساحة عقاب نفسي، في وقت يحتاج فيه المحتجزون إلى التواصل الأسري باعتباره ضمانة أساسية للاستقرار والصحة النفسية.

 

لذلك، تتصاعد المطالب بفتح تحقيق مستقل وعاجل في وقائع التفتيش المبلغ عنها، مع تمكين النيابة والجهات الرقابية من مقابلة المعتقلين والزائرات بعيدًا عن إدارة السجن، وضمان عدم تعرضهم لأي إجراءات انتقامية.

 

 

الإضراب إنذار بالخطر

 

ويرى الحقوقي حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في مواقفه العامة أن السجن والتخويف منه لا يمثلان أداة حكم آمنة، وأن غياب المساءلة يسمح بتكرار الانتهاكات واتساع نطاقها داخل المجتمع.

 

ومن ثم، فإن واقعة عنبر 8 تبدو اختبارًا جديدًا لجدية السلطات في التعامل مع شكاوى السجون، إذ لا تكفي البيانات العامة عن تطوير المنشآت بينما تبقى الممارسات اليومية محجوبة عن التفتيش المستقل.

 

غير أن استمرار الإضراب من دون استجابة معلنة يرفع احتمالات التدهور الصحي، خصوصًا مع غياب معلومات موثوقة عن أعمار المضربين وأمراضهم المزمنة ومدى حصولهم على المياه والأدوية والرعاية الطبية اللازمة.

 

علاوة على ذلك، يمثل الإضراب عن الطعام وسيلة احتجاج أخيرة يلجأ إليها المحتجز حين تغلق أمامه قنوات الشكوى والتظلم، وهو ما يضع مسؤولية مضاعفة على الإدارة لحماية حياته بدلًا من معاقبته.

 

وبناءً على ذلك، ينبغي تسجيل الإضراب رسميًا ومتابعة المؤشرات الحيوية للمشاركين بواسطة أطباء مستقلين، مع إثبات مطالبهم في محاضر قانونية وإبلاغ أسرهم بأي تغير صحي، بدل تركهم تحت رحمة تقديرات أمنية مغلقة.

 

وفوق ذلك، يفرض القانون على مسؤولي الاحتجاز صون كرامة السجناء وعدم تعريضهم للمعاملة القاسية أو المهينة، ولا تسقط هذه الالتزامات بسبب الطبيعة السياسية للقضايا أو بسبب لجوء المحتجزين إلى الاحتجاج السلمي.

 

إلى جانب ذلك، يكشف غياب الرقابة المستقلة عن السجون أحد جذور الأزمة، فحين تحتكر الإدارة الرواية والتحقيق والتنفيذ، يصبح إثبات الانتهاك بالغ الصعوبة، وتتحول الشكاوى المتكررة إلى ملفات مؤجلة بلا محاسبة.

 

وفي هذا السياق، تتطلب حماية المضربين إعلانًا واضحًا عن أعدادهم وحالتهم الصحية ومطالبهم، والسماح لمحاميهم وأسرهم بالتواصل المنتظم معهم، باعتبار الشفافية أول خطوة ضرورية لمنع التعذيب وسوء المعاملة والانتقام.

 

ومع ذلك، يبقى التحقق المستقل من تفاصيل الواقعة محدودًا بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى السجون، ما يجعل فتح تحقيق قضائي عاجل ضرورة لا غنى عنها للفصل بين روايات الأسر وأي رد رسمي.

 

 

المحاسبة توقف الانتهاكات

 

ويؤكد الحقوقي محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، في مواقفه الحقوقية أن الإفلات من العقاب يغذي الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ برقابة مستقلة ومحاسبة المسؤولين.

 

وفي ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع تفتيش النساء باعتباره تجاوزًا فرديًا عابرًا، لأن تكرار الشكاوى في سجون متعددة يشير إلى نمط يحتاج إلى مراجعة شاملة لقواعد التفتيش وآليات الشكوى.

 

كذلك، يجب أن تجرى عمليات التفتيش عند الضرورة بواسطة موظفات مدربات، وبأقل قدر من التدخل، مع احترام الخصوصية وحظر أي لمس مهين أو تعرية أو إجراء لا يستند إلى سبب أمني محدد.

 

وبالمثل، فإن معاقبة الأسر بسبب احتجاج ذويهم تمثل عقابًا جماعيًا يضرب الروابط الاجتماعية ويضاعف الأذى النفسي، كما يدفع بعض العائلات إلى تجنب الزيارة خوفًا من الإهانة، بما يزيد عزلة المعتقلين.

 

أما الحقوقي نجاد البرعي، المحامي وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، فقد شدد في مواقفه العامة على أن المتهم هو الطرف الأضعف، وأن ضماناته القانونية يجب أن تحمى من تغول السلطة التنفيذية.

 

ولهذا، فإن النيابة العامة مطالبة بالانتقال فورًا إلى السجن وسماع أقوال المضربين والزائرات، وفحص دفاتر الزيارات وكاميرات المراقبة وأوامر التفتيش، بدل الاكتفاء بتقارير الجهة نفسها المتهمة بارتكاب الانتهاك.

 

في الوقت نفسه، يتحمل المجلس القومي لحقوق الإنسان مسؤولية طلب زيارة عاجلة للعنبر، وإصدار تقرير علني يتضمن الوقائع والمطالب والحالة الصحية، لا بيانًا عامًا يكرر رواية الجهات التنفيذية دون تحقيق مستقل.

 

وبعد ذلك، يجب وقف أي إجراءات عقابية مرتبطة بالإضراب، وإعادة الزيارات إلى صورتها القانونية والإنسانية، وضمان دخول العلاج والطعام والملابس، مع مساءلة كل من أصدر أو نفذ تعليمات تنتهك كرامة الزائرات.

 

وأخيرًا، فإن إنقاذ معتقلي عنبر 8 يبدأ بإنهاء الصمت الرسمي وفتح أبواب السجن للرقابة القضائية والحقوقية المستقلة، لأن استمرار الإضراب والتنكيل بالأسر قد يحول الاحتجاج المحدود إلى مأساة إنسانية كاملة.