كشفت تصريحات مسؤولي شعبة المخابز وتقارير صحفية متطابقة أن حكومة عبد الفتاح السيسي تستعد لتطبيق منظومة جديدة للخبز المدعم في جميع محافظات مصر مطلع أغسطس 2026 بسعر يبلغ 1.5 جنيه للرغيف ووزن مقترح قدره 70 جرامًا بما يرفع التكلفة اليومية على ملايين الأسر ويهدد قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويأتي القرار قبل 9 أيام من موعد التطبيق المتداول بينما تواجه الأسر المصرية زيادات متلاحقة في أسعار الوقود والمواصلات والكهرباء والاتصالات والسلع الغذائية دون ارتفاع حقيقي مماثل في الدخول وهو ما يجعل زيادة الخبز اقتطاعًا مباشرًا من ميزانيات الفقراء الذين يعتمدون على الرغيف المدعم لتوفير الجزء الأكبر من وجباتهم اليومية.
قفزة من 20 قرشًا إلى 1.5 جنيه تضرب ميزانية الأسرة
ويتحول سعر الرغيف المدعم وفق الملامح المعلنة من 20 قرشًا إلى 1.5 جنيه بزيادة قدرها 650% دفعة واحدة بعد عامين فقط من رفعه من 5 قروش إلى 20 قرشًا وهو ما يعني أن حكومة السيسي رفعت السعر إلى 30 ضعف مستواه قبل يونيو 2024 خلال فترة قصيرة أنهكتها موجات الغلاء.
وبذلك ترتفع تكلفة حصة الفرد الذي يحصل على 5 أرغفة يوميًا من جنيه واحد إلى 7.5 جنيه يوميًا ومن نحو 30 جنيهًا إلى 225 جنيهًا شهريًا بينما تتحمل أسرة مكونة من 5 أفراد تكلفة قد تصل إلى 1125 جنيهًا شهريًا بدلًا من 150 جنيهًا إذا استمرت الحصة الحالية دون تخفيض.
وفوق ذلك تتداول تصريحات عن خفض وزن الرغيف من 90 إلى 70 جرامًا أو تقليص نصيب الفرد من 5 أرغفة إلى 4 أرغفة وهو ما يجمع بين رفع السعر وتقليل كمية الخبز التي تصل إلى المواطن ويحول المنظومة الجديدة إلى خفض مزدوج للدعم بدلًا من إعادة تنظيمه أو ضمان وصوله إلى مستحقيه.
ومن جانبه حذر الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب في تصريحات سابقة بشأن سياسات الخبز من أن القرارات الحكومية التي تمس هذه السلعة تحمل عواقب اجتماعية غير محمودة لأن الرغيف المدعم يمثل احتياجًا يوميًا لا يستطيع محدودو الدخل الاستغناء عنه أو تعويضه بسلع أقل تكلفة داخل سوق يعاني ارتفاعًا عامًا في الأسعار.
ووفقًا لهذا التحذير لا تقاس خطورة القرار بعدد الجنيهات المضافة إلى سعر الرغيف فقط بل بحجم اعتماد الأسرة الفقيرة عليه إذ تستخدم قطاعات واسعة الخبز لتعويض نقص اللحوم والدواجن والألبان والبقوليات التي خرجت أسعارها من قدرة أصحاب المعاشات والعمالة غير المنتظمة وأصحاب الأجور المنخفضة.
الأجور والمعاشات تفقد قيمتها قبل وصول الزيادة
وفي الوقت نفسه تستقبل الأسر زيادة الخبز بعد زيادات سابقة في أسعار البنزين والسولار ووسائل النقل والاتصالات والخدمات الحكومية بينما رفعت هذه القرارات تكلفة إنتاج ونقل معظم السلع وأضعفت الزيادة الاسمية في الأجور والمعاشات قبل أن يتمكن المستفيدون منها من تحسين مستوى معيشتهم أو سداد التزاماتهم المتراكمة.
وعلى هذا الأساس أكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن زيادات الأجور والمعاشات تذهب سريعًا إلى تغطية موجات ارتفاع الأسعار متوقعًا انتقال أثر زيادة تكاليف النقل والطاقة إلى مختلف السلع والخدمات وهو ما يجعل الحديث الحكومي عن تحسين الدخول منفصلًا عن القيمة الشرائية الفعلية التي تصل إلى المواطنين.
ثم تزداد الأزمة بالنسبة إلى أصحاب المعاشات والأرامل والعمالة اليومية لأن دخل هذه الفئات لا يتحرك تلقائيًا مع تغير الأسعار كما لا تملك معظمها مدخرات تسمح بامتصاص الزيادة الجديدة ولذلك ستضطر الأسرة إلى تقليل عدد الأرغفة أو حذف وجبة أو خفض إنفاقها على العلاج والتعليم والمواصلات.
وبالمقابل تبرر الحكومة قرارات تقليص الدعم بارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف وعجز الموازنة لكنها تستبعد من خطابها أثر فوائد الديون والإنفاق على المشروعات الضخمة وتراجع قيمة الجنيه وهو ما ينقل نتيجة السياسات المالية إلى المستهلك النهائي بدلًا من مراجعة بنود الإنفاق التي لا توفر حماية اجتماعية مباشرة.
كذلك لا تقدم الحكومة حتى الآن ضمانات واضحة تربط قيمة الدعم النقدي المرتقب بمعدل التضخم أو الارتفاع المستقبلي في أسعار القمح والوقود ولذلك يخشى المواطنون من تثبيت مبلغ مالي يفقد قيمته تدريجيًا بينما تواصل المخابز والأسواق تعديل أسعارها كلما ارتفعت تكلفة الإنتاج أو انخفض سعر الجنيه.
طوابير المخابز تختبر قدرة المصريين على تحمل القرار
ومع اقتراب أغسطس يتوقع أن تدفع المخاوف قطاعات من المواطنين إلى زيادة شراء الخبز قبل تطبيق السعر الجديد خصوصًا الأسر الكبيرة التي تستطيع تجفيف الأرغفة أو تخزينها لفترات قصيرة وهو ما قد يرفع الضغط على المخابز ويؤدي إلى طوابير أطول ومشادات حول الحصص ومواعيد التشغيل وجودة الرغيف.
وبعد ذلك ستواجه المخابز نفسها اختبارًا صعبًا لأن تغيير السعر والوزن والحصص يتطلب تحديثًا دقيقًا لمنظومة البطاقات وماكينات الصرف مع إعلان قواعد موحدة تمنع التلاعب بينما يفتح غياب المعلومات الرسمية المفصلة بابًا للشائعات ويضع أصحاب المخابز في مواجهة مباشرة مع مواطنين يحملون الحكومة مسؤولية القرار.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن معالجة عجز الموازنة عبر تقليص الدعم عن الفئات الأضعف تعكس انحيازًا في توزيع الأعباء لأن الدولة تملك بدائل تشمل الضرائب التصاعدية ومراجعة الامتيازات والإعفاءات وترشيد الإنفاق الكبير بدلًا من تحميل الفقراء ثمن اختيارات اقتصادية لم يشاركوا في صنعها.
وبناء على ذلك لا يستطيع ملايين المصريين تحمل الزيادة من دون خسائر مباشرة في مستوى الغذاء لأن الأسرة التي تنفق معظم دخلها على الضروريات لا تملك بندًا ترفيهيًا يمكنها حذفه وعندما يرتفع سعر الخبز فإنها تعيد توزيع الجوع بين أفرادها أو تستغني عن دواء أو مواصلة أو مصروف دراسي.
وأخيرًا يكشف رفع سعر الرغيف إلى 1.5 جنيه أن حكومة السيسي تعامل الخبز باعتباره رقمًا قابلًا للتخفيض داخل الموازنة لا حقًا غذائيًا يعتمد عليه ملايين المواطنين ويهدد تطبيق القرار مطلع أغسطس بتحويل المخابز إلى نقطة مواجهة يومية بين الفقراء وسياسة اقتصادية تحمي حساباتها عبر اقتطاع الطعام من موائدهم.

