حوّلت الغارات الإسرائيلية جنازة فلسطينية في وسط قطاع غزة إلى مجزرة جديدة، بعدما استهدفت تجمعًا للمشيعين وأسقطت شهداء وعشرات المصابين، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال والمستوطنون اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم في أربع محافظات بالضفة الغربية المحتلة.
وكشفت حصيلة المصادر الطبية استشهاد 14 فلسطينيًا وإصابة 37 آخرين يوم الجمعة، قبل استشهاد ثلاثة شبان صباح اليوم في مدينة غزة، بينما ارتفعت حصيلة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار إلى 1127 شهيدًا و3643 مصابًا، بما يعكس تحول الهدنة المعلنة إلى غطاء سياسي وإعلامي لاستمرار القتل اليومي بعيدًا عن اهتمام العالم.
جنازة تتحول إلى مجزرة والمشيعون ينتظرون من يشيّعهم
لم يعد الموت في قطاع غزة يكتفي بخطف الفلسطينيين تحت ركام المنازل، بل أصبح يلاحقهم خلال تشييع ضحايا الغارات السابقة، ليغتال لحظات الوداع الأخيرة ويحوّل مواكب الجنازات إلى ساحات ممتلئة بالدماء والجثامين. وفي أحدث تلك الجرائم، تعرض تجمع لمواطنين خلال تشييع شهيد في المنطقة الوسطى لقصف إسرائيلي مباشر، فسقط عدد من المشيعين بين شهيد وجريح.
وأفاد مستشفى العودة ومراسل الجزيرة أشرف أبو عمرة بأن طائرات مسيرة إسرائيلية أطلقت أكثر من صاروخ باتجاه تجمع للمواطنين عند مسجد أحمد ياسين وسط مخيم النصيرات أثناء التشييع، ما أدى إلى استشهاد ثمانية فلسطينيين وإصابة 20 آخرين، بينهم نساء وأطفال ومسنون، فيما وصفت جراح عشرة مصابين بأنها حرجة.
وفي رواية أخرى عن الهجوم، أفادت الطواقم الطبية بمقتل سبعة فلسطينيين وإصابة 22 آخرين إثر غارة استهدفت تجمعًا خلال تشييع جنازة في مدينة دير البلح وسط القطاع. وكان الضحايا يشاركون في تشييع فلسطيني قُتل بغارة سابقة خلال اليوم نفسه، قبل أن يُقصف موقع الجنازة وينقل المصابون إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات.
وأظهرت المقاطع المرئية المتداولة تكدس جثامين الشبان في موقع المجزرة وجريان كميات كبيرة من الدماء على الأرصفة. ونشر حساب «الحكيم» أحد المقاطع معلقًا بأن ما يراق دم وليس ماء، وما يُقطع أطراف لا أغصان، محذرًا من أن الاعتياد على هذه المشاهد يمثل خيانة للضحايا وخذلانًا لهم.
من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة استهدفت خلية تابعة لحركة الجهاد الإسلامي، معلنًا فتح مراجعة بشأن احتمال إصابة مدنيين. غير أن وقوع القصف وسط جنازة مكتظة بالمشيعين، وسقوط نساء وأطفال ومسنين بين الضحايا، أعادا طرح التساؤلات بشأن استخدام الادعاءات العسكرية لتبرير استهداف التجمعات المدنية.
كما شهدت مناطق أخرى من القطاع سلسلة غارات أسفرت عن استشهاد خمسة فلسطينيين إضافيين، بينهم امرأتان، في مدينة غزة وشمال القطاع وخان يونس. ووثقت المصادر الطبية في المجمل استشهاد 14 فلسطينيًا وإصابة 37 يوم الجمعة، ثم استشهاد ثلاثة شبان آخرين في مدينة غزة صباح اليوم.
«كذبوا عليكم».. حملة تكشف هدنة لا توقف القصف والقتل
أشعلت المجزرة موجة غضب واسعة عبر المنصات الرقمية، وسط تأكيدات بأن القتل الإسرائيلي لم يتوقف، لكنه بات يجري بعيدًا عن الأضواء بعدما تعامل جانب من العالم مع إعلان وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للمأساة.
وأشار الداعية إياد قنيبي إلى أن الاحتلال يتبع سياسة استنزاف مستمرة، متسائلًا عن حجم الشر الذي يجعل الجنازات غير آمنة ويحوّل المشيعين أنفسهم إلى أهداف عسكرية. ووصف الصحفي محمد هنية المشهد بمرارة، مؤكدًا أن موكب تشييع شهيد يتحول إلى مواكب جديدة وسط عالم أعمى لا يرى دماء الفلسطينيين.
وقالت الصحفية يسرى العكلوك إن إسرائيل تتفنن في ابتكار أساليب الإبادة، بين الغارات والروبوتات والطائرات المسيرة التي تلاحق النساء والمدنيين، معتبرة أن الفارق الوحيد بين الحرب والهدنة هو انصراف جمهور المتفرجين، بينما ظل القتل تفصيلًا يوميًا ثابتًا في حياة سكان القطاع.
وحمّل الكاتب علي أبو رزق الصمت العربي جانبًا من المسؤولية، معتبرًا أن الاحتلال يستغل غياب الإدانة الحقيقية لتنفيذ مجازر تخدم حساباته، بينما تجري التضحية بغزة ودماء سكانها مقابل مصالح ومكاسب إقليمية.
وفي مواجهة تراجع الاهتمام الإعلامي، أطلق ناشطون غزيون حملة إلكترونية باللغتين العربية والإنجليزية تحت وسم «كذبوا عليكم»، بهدف تعرية الادعاءات التي تروج لانتهاء الحرب وعودة الهدوء. وأكد القائمون عليها أن الحملة تسعى إلى كسر وهم انتهاء المأساة، وإعادة تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة، بعدما ثبت أن توقف بعض العمليات العسكرية لم ينه القصف والدمار.
ووفق أحدث بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة، أسفرت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار حتى الخميس الماضي عن استشهاد 1127 فلسطينيًا وإصابة 3643 آخرين. ورغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، استمر سقوط الضحايا وسط تحذيرات من انهيار التهدئة مع تواصل الغارات والعمليات العسكرية.
المستوطنون يحرقون الأراضي والاحتلال يقتحم أربع محافظات بالضفة
بالتزامن مع مجازر غزة، صعّد المستوطنون وقوات الاحتلال اعتداءاتهم في الضفة الغربية، حيث تعرض فلسطينيون ومتضامنون أجانب لهجمات مباشرة، وأُحرقت أراض زراعية، بينما اقتحم الجيش بلدات وقرى في محافظات نابلس ورام الله والبيرة وقلقيلية وبيت لحم.
ففي منطقة وادي الحج عيسى بين قرية جوريش وبلدة عقربا، جنوبي نابلس، اعتدى مستوطنون على فلسطينيين ومتضامنين أجانب. وفي بلدة بيت فوريك شرقي نابلس، تجول مستوطن بصورة استفزازية في المنطقة الشرقية، بينما أقام الجيش حاجزًا عسكريًا عند مدخل بلدة بيتا واقتحم قرية اللبن الشرقية.
وفي محافظة رام الله والبيرة، هاجم مستوطنون فتاة فلسطينية كانت ترعى الأغنام عند أطراف قرية كفر مالك، قبل أن يتصدى لهم عشرات الشبان ويجبروهم على الانسحاب. كما أطلق مستوطنون مواشيهم داخل أراضي قرية أم صفا، وأشعل آخرون النيران في أراض زراعية غربي بلدة سنجل.
واقتحمت قوات الاحتلال بلدة جيوس شمال شرقي قلقيلية وأطلقت قنابل الصوت، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع الشبان، قبل اقتحام بلدة عزون. وفي بيت لحم، اقتحمت القوات الإسرائيلية بلدة زعترة وتمركزت في مناطق عدة.
وتكشف هذه الاعتداءات أن المشهد واحد في غزة والضفة؛ فبين قصف الجنازات وحرق الأراضي واقتحام البلدات، يواصل الاحتلال استهداف الوجود الفلسطيني وأسباب بقائه. ومنذ أكتوبر 2023، أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة، وفق المعطيات الفلسطينية الرسمية، عن استشهاد 1181 فلسطينيًا وإصابة نحو 13 ألفًا، فضلًا عن اعتقال قرابة 24 ألفًا.

