سجل مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال 46 نقطة في مصر خلال يونيو، كاشفاً أشد انكماش للقطاع الخاص غير النفطي منذ 42 شهراً، ومهدداً الوظائف والاستثمار والأسعار.
وسياسياً، يفضح هذا التراجع حصاد سلطة عبد الفتاح السيسي التي وسعت مزاحمة الدولة للمنتجين، وراكمت الديون والجباية، ثم تركت العامل والمستهلك يدفعان ثمن اقتصاد يطارد الإيرادات السريعة ويهمل الصناعة والحماية الاجتماعية.
انكماش يهدد ملايين العاملين
وفي التفاصيل، انخفض المؤشر من 47.1 نقطة في مايو إلى 46 نقطة في يونيو، وبقي دون حاجز 50 الفاصل بين النمو والانكماش، مسجلاً أضعف قراءة خلال 42 شهراً بالسوق المصرية.
وبحسب المسار الشهري، بدأ المؤشر العام عند 49.8 نقطة في يناير، ثم تراجع إلى 48.9 في فبراير، و48 في مارس، و46.6 في أبريل، قبل 47.1 في مايو و46 في يونيو.
وعلى امتداد هذه الأشهر، ابتعد النشاط سريعاً عن نهاية 2025 التي سجلت 49.2 نقطة في أكتوبر و51.1 في نوفمبر و50.2 في ديسمبر، بما يكشف انقلاباً حاداً في اتجاه السوق المصرية.
وفي المقابل، تتجاوز خطورة الانكماش حدود المؤشر، لأن القطاع الخاص يشغل نحو 24.6 مليون شخص من أصل 29.9 مليوناً يمثلون إجمالي قوة العمل خلال 2024، ما يجعل التراجع أزمة معيشية واسعة.
ومن حيث الوزن الاقتصادي، يسهم القطاع بنحو 79.4% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية خلال العام المالي الممتد بين 2024 و2025، ولذلك ينتقل اضطرابه سريعاً إلى الدخول والاستهلاك والإنتاج والتشغيل في البلاد.
ووفقاً لبيانات الشركات، هبطت الطلبيات الجديدة بأسرع وتيرة منذ نوفمبر 2022، بعدما أفادت 27% من المنشآت بانخفاض المبيعات، مقابل 11% فقط تحدثت عن تحسن، فتراجع الإنتاج للشهر الخامس على التوالي.
وفي قراءتها للمشهد، ترى خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد سالي صلاح أن الانكماش ليس رقماً عابراً، بل إنذار يكشف تراجع النشاط الحقيقي واختلال قدرة السوق على توليد النمو المستدام وفرص العمل.
كذلك، تربط سالي صلاح ضعف القطاع باتساع العجز التجاري وتراجع الاقتصاد الإنتاجي، محذرة من أن استمرار القراءة دون 50 نقطة يعني تقلص الأعمال والمبيعات وقدرة الشركات على التوسع والتوظيف الجديد.
وإزاء هذه الأرقام، تدعو صلاح إلى قراءة الانكماش باعتباره نتيجة لسياسات تقترض وتفرض أعباء متزايدة دون بناء قاعدة إنتاج قوية، بما يفسر تعثر منشآت وتراجع ثقة المستثمرين داخل الأسواق المصرية.
فوائد وديون تخنق الاستثمار
وعلى صعيد التمويل، ثبت البنك المركزي سعري الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20%، مع بقاء سعر العملية الرئيسية عند 19.5%، وهي مستويات تجعل الاقتراض الإنتاجي بالغ الكلفة على الشركات.
ونتيجة لذلك، تتردد الشركات في تمويل خطوط جديدة أو زيادة المخزون أو تعيين عمال، لأن العائد المتوقع من التوسع أصبح أقل جاذبية من تكلفة الأموال، بينما تتراجع المبيعات تحت ضغط الغلاء.
إلى جانب ذلك، قدرت الرسوم والضرائب بنحو 40% من إجمالي إيرادات بعض الأنشطة، ما يدفع مستثمرين إلى تجميد قراراتهم، ويحرم السوق من رؤوس أموال كان يمكن أن توسع الإنتاج المحلي.
أما هاني توفيق، خبير الأعمال والاستثمار، فيرى أن الانكماش هو الأكبر منذ 2022، وأنه تزامن مع انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 67% وارتفاع الدين الخارجي إلى 165 مليار دولار تقريباً.
وفي تفسيره للأزمة، يؤكد توفيق أن جزءاً كبيراً من دخل الدولة يذهب إلى خدمة الديون بدلاً من التنمية، وهو ما يقلص قدرة الموازنة على دعم الصناعة والبنية الأساسية والمواطنين معاً.
وأضاف توفيق أن مدفوعات الفوائد بلغت 2.02 تريليون جنيه خلال أول 10 أشهر من العام المالي الماضي، مستحوذة على 54% من المصروفات و76% من الإيرادات العامة المسجلة خلال الفترة نفسها.
وبالتوازي، يحذر توفيق من اتجاه البنوك إلى تمويل استهلاك الأفراد على حساب المشروعات، بعدما وصلت القروض الشخصية إلى 50% من محفظة أحد البنوك، بما يضعف النمو والتشغيل والادخار العائلي الحقيقي.
ومن ناحية الحلول، يطالب توفيق بحكومة اقتصادية محترفة وممكنة سياسياً، تعيد توجيه الموارد إلى الاستثمار المنتج، بدلاً من ترك المديونية والفوائد والائتمان الاستهلاكي تلتهم فرص التوسع والتنمية والتشغيل المستدام الحقيقي.
ولهذا، لا تبدو مشكلة التمويل مجرد أرقام مصرفية، بل آلية تعيد توزيع المال بعيداً عن المصنع والورشة، وتمنح الدين والاستهلاك أفضلية على الإنتاج الذي يحتاجه الاقتصاد لتوليد وظائف ودخول مستقرة.
الإمدادات والأسعار تضرب الإنتاج
وبعيداً عن الائتمان، تعرضت الشركات لتأخر توريد المواد الخام بسبب اضطرابات الشحن وارتفاع الوقود، فطالت آجال التسليم، واضطرت منشآت إلى تعزيز المخزون تحسباً لانقطاع المدخلات أو زيادة أسعارها مجدداً لاحقاً.
ومع اضطراب الإمدادات، ارتفعت الواردات السلعية غير البترولية إلى 61.9 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من العام المالي الممتد بين 2025 و2026، مقابل 53.6 ملياراً في الفترة المناظرة السابقة.
وطبقاً للبيانات، تركزت 44.3% من الزيادة في السلع الوسيطة اللازمة للمصانع، بما يعكس محاولة الشركات تأمين احتياجاتها قبل مزيد من الغلاء، لكنه يضغط في الوقت نفسه على العملة والتكلفة المحلية.
وفي تقدير وائل النحاس، خبير التمويل والاستثمار، يعني انكماش القطاع الخاص بالضرورة تسريح عمالة بدلاً من توظيف جديد، لأن المنشآت التي تفقد طلباتها تخفض الإنتاج والمشتريات والوظائف لحماية بقائها المالي.
وفوق ذلك، يرى النحاس أن ارتفاع تكلفة الإقراض يدفع السيولة الفائضة نحو أدوات الدين الحكومية مرتفعة العائد وقليلة المخاطر، بدلاً من توجيهها إلى المصانع والمشروعات التي تحتاج تمويلاً طويل الأجل.
ومن زاوية السوق، يحذر النحاس من إغراق مصر بسلع مستوردة رخيصة أو قديمة، مطالباً بإبطاء الاستيراد غير الضروري وحماية المنتج المحلي حتى لا تتحول الأزمة العالمية إلى إغلاق مصانع مصرية.
وبناءً على هذا التشخيص، يهدد تزامن ضعف الطلب وغلاء التمويل وتعطل الإمدادات بتحويل الانكماش إلى دائرة مغلقة، تبدأ بخفض المبيعات وتنتهي بتسريح العمال وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية لدى المواطنين.
لذلك، يتطلب وقف التدهور خفضاً مدروساً للفائدة والأعباء الضريبية، وضمان منافسة عادلة، وتيسير الإفراج عن المدخلات، وتوجيه الائتمان نحو الصناعة، مع نشر بيانات واضحة عن العقود والاستثمارات ومزاحمة الدولة للمنتجين.
وأخيراً، يبقى صعود المؤشر فوق 50 نقطة اختباراً لجدية السلطة في تغيير نموذجها الاقتصادي، لأن إنقاذ القطاع الخاص لا يحمي المستثمر وحده، بل يحمي ملايين الأسر من البطالة والغلاء وتآكل الدخول.

