أطلقت القوات المسلحة المصرية، أول جامعة مدنية تابعة لها باسم كيان في العلمين الجديدة على بعد 260 كيلومترا من القاهرة، ما فجر أسئلة حول عسكرة التعليم والتطبيع اللغوي.
وتكشف الواقعة سياسيا وإنسانيا أن النظام لا يكتفي بإضعاف الجامعات الحكومية، بل يبني بجوارها مؤسسة عسكرية موازية بامتيازات أكبر، فيدفع الطلاب والأسر ثمن تعليم منهك بينما تتوسع جهة سيادية بلا رقابة.
وبذلك تتصل 3 محاور في مسار واحد، اسم يعيد تشكيل الوعي، وجامعة تمد النفوذ إلى التعليم، ودورات تضبط الموظفين، ثم ترتيبات عسكرية تصادر الفرح الشعبي وتراكم غضبا يصعب على السلطة احتواءه.
كيان بوابة العسكر
فمن المقرر أن تبدأ جامعة كيان الدراسة في أكتوبر المقبل، مستقبلة خريجي الثانوية العامة والأزهرية من البنين والبنات، من دون منح رتبة عسكرية، بما يؤكد أن نشاطها مدني رغم تبعيتها المباشرة للقوات المسلحة.
كما تطرح الجامعة تخصصات الطب البشري وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي، وتضم مستشفى جامعيا ومركزا للمحاكاة وآخر للعلاج والتأهيل، بما يجعلها منظومة تعليمية وطبية وبحثية مكتملة.
غير أن الدولة والمؤسسة العسكرية لم تعلنا تبعية الجامعة للجيش قبل التدشين الرسمي، بينما وصفتها وزيرة الإسكان ورئيس مدينة العلمين في مايو بأنها جامعة خاصة، من دون كشف طبيعة المالك أو نظام الإدارة.
وفوق ذلك لم تكشف الجهات الرسمية مساحة الجامعة أو تكلفة إنشائها أو عدد الطلاب المستهدف أو نسب القبول أو المصروفات السنوية، رغم ظهورها كحرم متكامل بمستشفى ومراكز أبحاث وتجهيزات ضخمة.
ومن ناحية المكان أُنشئت الجامعة في العلمين الجديدة خارج الكتلة السكنية لوادي النيل والدلتا، حيث يعيش معظم 109 ملايين مصري، وعلى بعد 260 كيلومترا من القاهرة الكبرى التي تضم نحو 25 مليونا.
فيما فتح اسم كيان جبهة أخطر من الجدل، لأنه ارتبط عقودا في الوعي العربي بالاحتلال الإسرائيلي، فرأى الدكتور ممدوح المنير أن التسمية تجمع بين احتمال التطبيع النفسي وعسكرة المجال المدني.
وبحسب المنير لا توجد أدلة قاطعة على خطة رسمية لإعادة تشكيل الوعي، لكن تزامن الاسم مع حديث السلطة عن التطبيع الشعبي يبرر الخشية من تطبيع لغوي ناعم ينزع الحمولة السلبية عن المصطلح تدريجيا.
وعليه لا تبدو الأزمة نزاعا لغويا عابرا، بل اختبارا لحدود سلطة الجيش على التعليم والذاكرة العامة، إذ يمنح الاسم المؤسسة الجديدة ألفة إيجابية، بينما يضعف الرفض الشعبي التاريخي للكيان المحتل.
عسكرة التعليم
وفي قراءة الدكتور حمزة زوبع لمسار تدريب المدنيين داخل الأكاديمية العسكرية، يتحول سؤال التأهيل إلى سؤال ولاء، لأن الموظف أو الإمام أو المعلم يواجه معيارا أمنيا وعسكريا قبل بلوغ حقه في التعيين أو الترقي.
وعلى هذا الأساس لم تعد الأكاديمية العسكرية مخصصة لإعداد الضباط، بعدما توسع دورها في تدريب المعينين الجدد والمترقين داخل الوزارات والجهات الحكومية، وربط المستقبل الوظيفي للمدنيين بمؤسسة لا تنتمي إلى اختصاصاتهم.
كذلك تعمق شروط الالتحاق بجامعة كيان المخاوف، لأنها تشمل كشف الهيئة والاختبارات النفسية المعروفة في الكليات العسكرية، وهي معايير لا تشترطها الجامعات المدنية وقد تفتح باب الاستبعاد السياسي والاجتماعي المحتمل.
ثم إن السيسي أعلن في يناير تدشين 4 كليات عسكرية للطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، مع دراسة تدريس السياسة والاقتصاد بإشراف عسكري وإضافة مواد وتدريبات عسكرية، وهو ما وسع مخاوف عسكرة التعليم.
علاوة على ذلك تنضم الجامعة إلى شبكة تشمل الكليات الحربية والجوية والبحرية والدفاع الجوي والفنية والطب العسكري والأكاديمية العسكرية و6 مدارس رياضية ومعهدين صحيين، بما يكشف بنية تعليمية عسكرية تتجاوز إعداد المقاتلين.
وبهذا ينتقل الجيش من إدارة الاقتصاد والمشروعات إلى إنتاج المعرفة وتشكيل النخب، مستفيدا من موارد ونفوذ وامتيازات لا تتوافر للجامعات الحكومية والأهلية، في نموذج وصفه المنير بالابتلاع المؤسسي للدولة المدنية.
وفي المقابل تدخل جامعة كيان سوقا تضم نحو 135 جامعة تستقبل قرابة 4 ملايين طالب، بينها 28 حكومية و32 أهلية و37 خاصة، ما يطرح سؤال الحاجة الحقيقية إلى منافس عسكري جديد.
فضلا عن ذلك تبلغ مخصصات التعليم العالي 128 مليار جنيه، بينما تعاني الجامعات الحكومية ضعف التمويل وهجرة الكفاءات، فتبدو الأولوية السياسية موجهة لبناء صرح مواز لا لإنقاذ المؤسسات التي يقصدها أغلب أبناء الفقراء.
الدولة الهاربة
أما الكاتب الصحفي وائل قنديل فيصف انتقال مؤسسات الحكم المصرية إلى الأوكتاغون والعاصمة الجديدة باعتباره هروبا من القاهرة، وهي قراءة تربط العمارة المحصنة بخوف السلطة المستمر من تكرار احتجاجات 2011.
ووفق هذا التصور لا ينفصل موقع جامعة كيان البعيد عن الكتلة السكانية عن هندسة الجمهورية الجديدة، فالمؤسسات تنتقل إلى مدن محصنة ومكلفة، بينما تبقى الأغلبية بعيدة عن القرار والخدمات والفرص.
ومن جهة أخرى حذر الباحث العسكري محمود جمال من أن إنشاء الجامعات المدنية ليس دورا طبيعيا للجيوش، لأن كل مورد يوجه إلى التعليم المدني ينتقص من التدريب والتكنولوجيا الدفاعية وحماية الأمن القومي.
بالتوازي امتدت العسكرة إلى استقبال المنتخب الوطني، إذ فرضت ترتيبات عسكرية على لحظة شعبية منتظرة، فحُرم الجمهور واللاعبون من لقاء عفوي، وتحول الإنجاز الرياضي إلى عرض رسمي تسيطر عليه السلطة.
وعمليا تكشف السيطرة على الفرح أن النظام لا يخشى الاحتجاج وحده، بل يخشى كل تجمع مستقل، لذلك يريد للمواطن أن يتعلم ويترقى ويحتفل داخل مسارات مرسومة لا تسمح بالمبادرة أو السؤال.
ومن ثم تتوحد المحاور 3، جامعة تعيد تشكيل التعليم واللغة، ودورات عسكرية تتحكم في الوظيفة المدنية، وترتيبات أمنية تصادر المجال الشعبي، لتصبح الجمهورية الجديدة شبكة ولاء مغلقة لا دولة مؤسسات.
لذلك لن يمنح هذا التمكين الحكم الاستدامة التي ينشدها، لأن تهميش المدنيين وإهدار استقلال الجامعات وإغلاق المجال العام لا يمحو الاعتراض، بل يحوله إلى غضب مكتوم يبحث عن منفذ غير متوقع.
وأخيرا يظل هاجس 2011 حاضرا خلف الجامعة والعاصمة والدورات والاستعراضات، فسلطة تبني مؤسسات بعيدا عن الناس وتفحص ولاءهم وتصادر فرحتهم تكشف هشاشتها بنفسها، وتراكم أسباب الانفجار الذي تزعم أنها تتحصن منه.

