محمد عزام

كاتب وصحافي مصري

 

هذه حكاية خارجة عن مألوف زماننا المتقهقر معرفيًا، لما فيها من ثنائيات درامية كثيفة المعنى والمبنى ثقافيًا، فالصراع على كتاب، ومن أجل قصة حياة، وبين سيدتين، واحدة تمثل السلطة "الثانية" والأخرى تنتمي إلى "الرابعة"، وقد تنازعتا سيرة أديبة مصرية دُوّنت أعمالها باللغة الفرنسية. إنها قوت القلوب الدمرداشية العائدة من دياجير النسيان عبر معركة قضائية، خاضتها الكاتبة والصحافية سهير عبد الحميد، في مواجهة جيهان زكي، متعددة المواهب والمناصب سياسيًا وقبلها أكاديميًا. فهي أستاذة الحضارة المصرية القديمة، والباحثة في مركز علمي بجامعة السوربون الفرنسية، وعضو مجلس النواب، والأكثر أهمية وزيرة الثقافة، بما للوظيفة من مهام اسمية شكلانية، بينما في مؤداها وجوهرها تلعب دور كبيرة حرّاس بوابة الإنتاج الفكري والإبداعي، ومن هنا وقعت الواقعة، فجاء قضاء النقض ولم يجعل لوقعتها كاذبة.

 

قبل صدور الحكم كان مؤيدو الوزيرة، وهم كثر، يدّعون أنهم في انتظاره ليكون فاصلًا بين ما تدّعيه سهير وما تقوله جيهان، ولسان حالهم يقول: "هذا ربي، هذا أكبر"، فلما تبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، تجاهلوا قرار محكمة معنية بالمبادئ لا بالخصوم، وبالقانون لا بالوقائع، وبمعنى أكثر بساطة منصّة قضاء لا تبحث في ما حدث، بل كيف طُبق القانون على ما حدث؟ بعدما سبقها حكمٌ صدر العام الماضي عن المحكمة الاقتصادية في القضية رقم 1631 لسنة 17 قضائية، بتغريم جيهان زكي (قبل أن تصبح وزيرة) مائة ألف جنيه (2000 دولار) لإدانتها بالتعدّي على حقوق الملكية الفكرية في كتابها: "ثنائيات: كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية.. ضفائر التكوين والتخوين" (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2024)، اقتباسًا من مؤلف سهير عبد الحميد، "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر" (دار ريشية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023). ومن ثم استأنفت زكي، فتمّ تأييد حكم أول درجة، فلجأت إلى أعلى درجات سلم التقاضي، أي النقض، فما كان منه إلا أن أرسى سابقة قانونية مهمة، بمنع تداول الكتاب محل النزاع، وهو ما تفسّره تصريحات صحافية للمدّعية بتجاوز المدّعى عليها حدود النقل المشروع (تخطى 50% فماذا تبقّى؟!)، بينما كانت المحكمة سابقًا تقضي بحذف الأجزاء محل النزاع وإعادة طباعة الكتاب.

 

إلى هنا، كان ينبغي أن يتوقّف النزاع، خصوصًا أن الوزيرة استقالت ومجلس الوزراء قبل قرارها، في مشهد يقلّب على المصريين مواجع دولة القانون ويخشون اعتياده، ما هذا الجمال؟ مسؤول يخطئ وقضاء يحاسب وسلطة تنفّذ! وذاك كله أيامًا بعد توقيف رجل الأعمال (أي أعمال؟)، صبري نخنوخ، المثير للجدل وإحالته إلى محكمة الجنايات، وما أثاره القرار من دهشة يحار في أسبابها أولو الألباب. وعمومًا، ضربتان على الرأس توجعانه من كثرة الأسئلة، لكن الوزيرة المستقيلة أبت إلا أن تزيدها، وتنغّص على المصريين عرسهم القانوني، فأعلنت: "أعتزم من الآن فصاعدًا ممارسة حقي الكامل في الرد على الدعوى المدنية التي أعتبرها ملفّقة منذ يومها الأول؛ وسأستمر في الأخذ بكافة السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام"، أي إنها لم تستسلم إلى ما استقرّ يقينًا بأن أحكام النقض نهائية وباتّة ولا يجوز الطعن عليها، وبالتالي يحيل ظاهر قولها إلى سيناريوهين (ما كل هذه الثنائيات!): الأول، "كلام ابن عم حديت"، كما يقول المثل الشعبي المصري، عمّن يطلق الكلام المرسل، أو الوعود التي بلا أساس. الثاني، نية دفاعها اللجوء إلى محاولة الفرصة الأخيرة أو ما يطلق عليه "التماس إعادة النظر"، بيد أن هذا مشروط بظهور وقائع أو أدلة جديدة وحاسمة لم تكن مطروحة في أثناء نظر الدعوى، ومن شأنها تغيير وجه الحكم، فأين كانت تلك البراهين بعد استنفاد شتى ضروب الحجج في عامين من مراحل التقاضي السابقة؟

 

لم تصمت الوزيرة المستقيلة، وحتمًا لن ينصحها محاموها بالسكوت والتعويل على أن "ذاكرة العوامّ ثلاثة أيام"، فاستمرار التقاضي، وإنْ بلا جدوى، يصبّ في جيوبهم. وفي المقابل، عادت الكاتبة الصحافية مصوّبة على ما وصفته بصفحة مظلمة في الملف، إنه "كاتب الظل أو اللص الحقيقي" بتعبيرها. وحتى هذا له لقبان، الأول ما ذكرته ويقابله في الإنكليزية تعبير Shadow Writer، والثاني الكاتب الشبح Ghost Writer. ومن هنا لم تستطع سهير عبد الحميد مقاضاته، مع أنه "قبض ثمن فعلته مبلغًا ماليًا مقّدّمًا وأطماعًا دفينة في منصب معتبر، هذا الذي حُسب خطًا على المشهدين الصحافي والثقافي". وتلك هي القطبة المخفية وسط ثنائيات ضدّية حفلت بها القضية، قوامها: السلطة والصحافة، والنفوذ والقانون والاقتباس والانتحال وحرّية الإبداع وحقوق الملكية الفكرية والشهرة والحق، فالجاني الحقيقي هو كاتب الظل، ذاك الشبح الذي لا يكتب فقط مضامين ثقافية وفنية فحسب، وإنما ستجد له نظيرًا في شتى ضروب المعرفة، ابتداءً من أداء امتحان مكان طالب بليد وحتى إعداد رسائل ماجستير ودكتوراه. وثمّة حكايات متداولة ومنشورة بالأسماء عن مثقفين كبار جمعوا وكتبوا المادة البحثية لرسائل علمية حصلت عليها زوجتان لرئيسين مصريين سابقين، واحدة منها رواها الأمين العام السابق لحزب التجمّع الوطني التقدّمي الوحدوي، الراحل رفعت السعيد، نقلًا عن أحد المشاركين، وهو لويس عوض، ومعه ثلاثة آخرون، ويمكن العودة إليها في مذكّراته المعنونة "مجرّد ذكريات" (فصل الاستضافة رقم 2 الصفحات 657 و 676 و677).

 

وحتى يزيد الطين بلة، دخل الذكاء الاصطناعي في المجال، وصار منافسًا للكاتب الشبح (أو الشبّيح؟) فكانت أزمة دار "ألكا" العراقية التي فجّرها الصحافي صادق الطائي، بعد إعلان نشر في نهاية العام الماضي (2025) عن عدة إصدارات حديثة، تبيّن للطائي، بعد فحصها، أن لغتها وأسلوبها يتشابهان مع ما صار متداولًا لكتابة التطبيقات، التي تتسم بالإنشاء والعموميات مفتقدة المعنى، في غياب المراجع أو أسماء المؤلفين المبرزة على الأغلفة في السجلات وقواعد البيانات ذات الصلة المعروفة في عالم النشر، كذلك تحمل أرقام ISBN (كود تجاري من 13 عددًا) غير مسجّلة دوليًا، وحتى بعضها كان مكرّرًا، رغم أنه بمثابة هوية أو معرّف يخصّ الكتاب ولا يجوز نسخه من مصنف إلى آخر، علاوة على غياب بيانات موثقة تخص دور النشر الغربية الأصلية.

 

لماذا لا يُحاسب كاتب الظل؟ قانونيًا، تكييف الواقعة مستحيل، فكيف يمكنك محاسبة "شبح"، فضلًا عن عدم اكتراث المشرّع بواقعة تركها بلا ضوابط مؤطرة لتغيب عنها بلغة القانون الحدود الفاصلة بين الفاعل الأصلي والشريك، فأي الطرفين يمكن تصنيفه مسؤولًا رئيسيًا مباشرًا عن الفعل المعاقَب عليه (الاقتباس غير المنسوب والانتحال والاعتداء على الملكية الفكرية)؟ كلاهما يلعب الدور نفسه، فمن حرّض فاعلٌ أصلي، ومن ارتكب فاعلٌ أصلي، ومن وضع اسمه على المصنّف فاعلٌ أصلي، ومن لعب دور ناهب الكلمات وبائعها فاعلٌ أصلي. وتحرّيًا للدقة، فعل "مرتزق الكيبورد" أخطر على المجتمع من منتحل صفة المؤلف، ولا سيما مع اختبائه في "الظل" والتستّر على حقيقته، فلئن كان الكاتب صوريًا وحوسب على جريمة الاعتداء على الحقوق الأدبية والملكية الفكرية للمؤلف الأصلي، فإنه قطعًا لن يصبّ المزيد من الزيت على نار تحرقه معترفًا على شريكه، إلا في حالة واحدة بعيدة عن سياقنا الفوضوي والبدائي في ما يتعلق بصناعة الفكر والنشر التجاري، وهي نقل المسؤولية قانونًا إلى الكاتب الشبح، إذا كانت العلاقة بين الطرفين مبنيةً على اتفاقية مصوغة بإحكام تُلزم الكاتب بالتعهّد بأن المحتوى أصلي بالكامل. وقتها فقط يمكن مقاضاته بتهمة الإخلال بالعقد لاسترداد التعويضات وتغطية الرسوم القانونية والخسائر المالية، لكن بتكلفة معنوية لا يمكن تحمّل ثمنها وتبعاتها، بالأخص عندما يكون الكتاب أداة وجاهة اجتماعية تكمل باقة (باكدج - Package) المثقف المنتج، من دون إضافة معرفية، كرسائل الماجستير والدكتوراه آنفة الذكر، قوامها القصّ واللصق، وإعادة التدوير بلا مضمون يثري أو إبداع يبني. وبطبيعة الحال، يضيف كل ما سبق عربيًا مزيدًا من الرؤوس إلى هيدرا "المسخ المعرفي".

 

إنها فوضى مشوّهة في المشهد الفكري والثقافي والعلمي في مصر، فالقضية أكبر من صراع على كتاب بين وزيرة وصحافية، لأن بائع النصوص الجوفاء لن يأتي بجديد، يكفيه رصّ الجمل والفقرات مؤديًا المطلوب وبأي طريقة شرعية أو غيرها، غير أن النصوص القيّمة كالأبناء، لا يُباعون ولا يُشترون، ويبذل سليم العقل من أجلهم جهدًا لا يبارى، معتنيًا بكل ما يمنحهم أسباب القوة والحق والخير. لذا يصف الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود حالة الكاتب الشبح، منطلقًا من تجربته الذاتية بـ"محنة نفسية" امتدّت معه أعوامًا كثيرة، كما كتب في كتابه "قصة نفس"، راويًا، في الفصل السادس المعنون "كاتب الظل"، كيف عرض عليه أستاذ كبير التقاه في لجنة التأليف والترجمة والنشر مشاركته في التأليف، وبعد أشهر أكمل زكي نجيب محمود أصول كتاب منحه له حتى يعمل هو الآخر عليه، ليُفاجأ بعد أيام بمقدّمة أعدّها موجّهة إلى القارئ منه وحده، لا من الشريكين معًا، فامتقع وجه محمود، ليسأله الكاتب الكبير: ماذا ترى؟ كن صريحًا، ألا توافق على أن تكون المقدّمة مني؟ إذا كان الأمر كذلك عدَّلت في العبارة وجعلتها مقدمة مِنَّا معًا؛ فقلت خجلًا: لا، لا، هذا هو الوضع الصواب. وقد كان على مدار عدة مؤلفات صار فيها التابع لا الشريك، فكان أن خرج من التجربة "صغيرًا" بكل ما تعنيه الكلمة من ألم نفسي ومادي.

 

مع ذلك، على الأقل كان لدى الكاتب الكبير كما يصفه زكي نجيب محمود بعض من الإنصاف، فلم يزل اسمه عن المؤلفات المشتركة، وإنْ حظي بالنصيب الأكبر من الفضل والرصيد. وربما لم يكن أحد وقتها ليتجرأ على هذا، ففي زمانهم كان للكلمة قيمتها، فضلًا عن ندرتها وحرفية التعامل معها صناعة وتقديرًا لكل ما يحيط بعملية إنتاجها، الأمر الذي يغيب عن أيامنا المثقلة بالمدّعين وباعة كل وأي شيء، في سوق عشوائية تنمو وتزدهر، ويحتمل أن نجدها يومًا ما قد صارت صنوًا لأخرى غربية، أكل عيش العاملين فيها الاتجار بخدمات الـ Ghostwriting التي تشمل الكتب والمقالات والمدوّنات وغيرها، كما تقول واحدة من الشركات النيويوركية عما تبيعه لعملائها: "نحوّل أفكارك إلى واقع ملموس بلمسة تجمع بين الدقة والإبداع"، لكنّها بالطبع لن تقع في فخ الانتحال والسطو على أفكار الغير، فهناك العواقب وخيمة "والغلطة بفورة" (مكلفة جدًا) ولن تقتصر على غرامة بقيمة مائة ألف جنيه أو سحب كتابٍ ومنع تداوله. ... حقًّا إنه "مولد وصاحبه غايب".