أعلنت النقابة العامة للعلاج الطبيعي رفضها تكليف 50 في المئة فقط من خريجي دفعة 2023 بالمستشفيات الحكومية في مصر، محذرة من ترك النصف الآخر بلا عمل بعد سنوات الدراسة وتحميل أسرهم خسائر اقتصادية قاسية.

 

سياسيا، تكشف الأزمة كيف توسعت الدولة في ترخيص الكليات وجمع الرسوم من الطلاب، ثم تراجعت عند التوظيف متذرعة بالاحتياج، لتلقي بنتائج التخطيط الحكومي الفاشل على شباب لم يشاركوا في صنعه.

 

نصف الدفعة خارج التكليف

 

وبداية، أقرت اللجنة العليا للتكليف بوزارة الصحة حركة جزئية لخريجي العلاج الطبيعي من دفعة 2023، تعتمد على المجموع التراكمي والاحتياج الفعلي للمستشفيات، بدلا من تكليف جميع الخريجين وفق النظام الذي التحقوا بالكليات على أساسه.

 

وفي المقابل، وصفت النقابة القرار بأنه مخيب لآمال الخريجين وأسرهم، مؤكدة أن قصر الحركة على نصف الدفعة لا يلبي الحد الأدنى من طموحات شباب تحملوا سنوات طويلة من الدراسة والمصروفات والتدريب.

 

غير أن النقابة أقرت بأن النسبة المعلنة جاءت بعد جهود ومفاوضات رفعتها من 25 إلى 50 في المئة، وهو ما يعني أن المقترح الأول كان سيترك ثلاثة أرباع خريجي الدفعة خارج المنظومة الحكومية.

 

وعلى إثر ذلك، تحول التكليف من مسار كان الخريجون يعتبرونه امتدادا طبيعيا للدراسة إلى منافسة داخل الدفعة الواحدة، يحسمها المجموع وعدد الأماكن المتاحة، بصرف النظر عن حصول الجميع على المؤهل المهني نفسه.

 

وفي الوقت نفسه، اعتبرت النقابة تطبيق قواعد الاحتياج والمجموع على دفعة 2023 إجراء مفاجئا وبأثر رجعي، لأن الطلاب التحقوا بكلياتهم قبل إعلان تلك الضوابط، وبنوا قراراتهم الدراسية والمادية على نظام التكليف الكامل.

 

إضافة إلى ذلك، لا يقتصر أثر الاستبعاد على فقدان وظيفة حكومية، بل يمتد إلى حرمان الخريج من التدريب العملي المنتظم واكتساب الخبرة المهنية، بما يضعف فرصه لاحقا في المنافسة داخل سوق العمل الخاص.

 

وفوق ذلك، تتحمل أسر كثيرة ديونا ومصروفات مرتفعة لتعليم أبنائها في الجامعات الخاصة والأهلية، ثم تكتشف بعد التخرج أن الشهادة لا تضمن عملا ولا تدريبا، وأن الدولة غير ملتزمة باستيعاب الأعداد المرخصة.

 

ومن ناحية أخرى، يثير اعتماد المجموع معيارا وحيدا أو رئيسيا للتكليف تساؤلات بشأن الفروق بين نظم التقييم في عشرات الجامعات، ومدى عدالة مقارنة خريجين درسوا في مؤسسات تختلف مناهجها ودرجاتها وإمكاناتها التدريبية.

 

نتيجة لذلك، أصبحت دفعة واحدة مقسمة بين خريجين حصلوا على التكليف وآخرين استبعدوا منه، بما يخلق تفاوتا مهنيا مبكرا لا يرتبط بالضرورة بالكفاءة العملية، وإنما بعدد الوظائف التي قررت الحكومة إتاحتها.

 

توسع بلا تخطيط

 

وبالتزامن، حذرت النقابة من تجاوز أعداد الخريجين نسبة 110 في المئة من الاحتياج الفعلي، نتيجة التوسع الكبير في إنشاء كليات العلاج الطبيعي من دون ربط القبول الجامعي بطاقة سوق العمل والمؤسسات الصحية.

 

وبحسب بيانات النقابة، قفز عدد كليات العلاج الطبيعي في مصر من 5 كليات إلى نحو 60 كلية حكومية وخاصة وأهلية وأجنبية، ما أدى إلى تضخم أعداد الطلاب والخريجين خلال فترة زمنية قصيرة.

 

كذلك، جرى هذا التوسع في ظل تقديم التخصص باعتباره مجالا طبيا مطلوبا يضمن فرصا مهنية مستقرة، بينما لم تتوسع الوظائف الحكومية والمستشفيات الجامعية ومراكز التأهيل بالمعدل نفسه الذي توسعت به مقاعد الدراسة.

 

ولهذا، تتوقع النقابة أن يتجاوز معدل أخصائيي العلاج الطبيعي في مصر ثلاثة أضعاف المعدلات العالمية بحلول عام 2030، بما يهدد بمزيد من البطالة وانخفاض الأجور واشتداد المنافسة على فرص محدودة.

 

علاوة على ذلك، لا تتحمل الجامعات وحدها مسؤولية الأزمة، لأن وزارتي التعليم العالي والصحة كانتا تملكان بيانات أعداد الطلاب والاحتياجات المتوقعة، ومع ذلك استمر منح التراخيص والقبول من دون خطة معلنة للاستيعاب.

 

وبناء على ذلك، يظهر التكليف الجزئي باعتباره نتيجة متأخرة لسياسة تعليمية تعاملت مع الكليات بوصفها مشروعات استثمارية، ثم اكتشفت بعد تخرج آلاف الطلاب أن المؤسسات الحكومية لا تحتاج إلى هذه الأعداد.

 

ومن ثم، يدفع الخريجون ثمن تناقض رسمي بين جهة توسعت في التعليم وقبلت الطلاب، وجهة أخرى تحسب الوظائف وفق الاحتياج، بينما غابت الدولة التي يفترض أن تنسق بين التعليم والتشغيل قبل وقوع الأزمة.

 

في غضون ذلك، يخشى الخريجون أن يؤدي الفائض الكبير إلى استغلالهم داخل المنشآت الخاصة بأجور متدنية وشروط عمل ضعيفة، خاصة مع وجود آلاف الباحثين عن الخبرة والتدريب اللازمين لبناء مسارهم المهني.

 

وعليه، فإن وقف التوسع مستقبلا لن يحل وحده أزمة الدفعات الحالية، لأن آلاف الطلاب ما زالوا يدرسون داخل الكليات القائمة، وسيصلون تباعا إلى سوق يعاني بالفعل فائضا يتجاوز احتياجاته.

 

تحركات لإنقاذ الخريجين

 

في المقابل، أعلنت النقابة تضامنها مع خريجي دفعة 2023 وأسرهم، ورفعت مناشدات إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزراء الصحة والمالية والتعليم العالي، مطالبة بفتح حركة تكميلية لاستيعاب المستبعدين.

 

ووفقا للنقابة، تستند مطالب التكليف الكامل إلى مواد الدستور المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وحق العمل، باعتبار أن تغيير القواعد بعد التحاق الطلاب بالكليات أضر بمراكزهم وتوقعاتهم المهنية المشروعة.

 

مع ذلك، لا يعني الاستناد إلى الدستور وجود ضمان قانوني تلقائي بالتعيين، لكنه يعزز مطالبة الخريجين بإجراءات انتقالية عادلة تمنع تحميل دفعة 2023 منفردة نتائج تغيير سياسة التكليف وخلل التخطيط السابق.

 

أما المسار القانوني، فقد بدأ بتكليف الإدارة المختصة في النقابة بمتابعة الإجراءات القضائية اللازمة للضغط على وزارة الصحة، بهدف فتح حركة إضافية تشمل باقي الخريجين أو وضع تسوية تحمي حقوقهم المهنية.

 

كما اقترحت النقابة عقد مؤتمر توظيف موسع برعاية وزيري الصحة والتعليم العالي، يجمع المستشفيات الحكومية والجامعية والقطاع الخاص، من أجل حصر الاحتياجات الحقيقية وتوفير فرص واضحة بدلا من ترك الخريجين لمصير مجهول.

 

في سياق مواز، طالبت النقابة بتكليف ما لا يقل عن 2000 خريج داخل المستشفيات الجامعية التي يعاني بعضها عجزا، وهو مقترح يكشف التناقض بين الحديث عن فائض عام ووجود احتياجات غير مغطاة داخل منشآت محددة.

 

ولزيادة فرص الحل، دعت النقابة إلى التنسيق مع بقية النقابات الطبية لتوحيد الجهود، مع خفض أعداد المقبولين مستقبلا وربطها بخريطة الاحتياجات الفعلية، بدلا من استمرار إنتاج دفعات أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب.

 

لذلك، طالبت وزير التعليم العالي بإغلاق بعض الكليات الخاصة والأهلية والأجنبية التي لا يتجاوز عدد طلابها 40 طالبا، وتقليل القبول من خريجي الثانوية، ووقف إنشاء كليات جديدة حتى استعادة التوازن.

 

وأخيرا، تبقى أزمة دفعة 2023 شاهدا على سياسة سمحت بزيادة الكليات من 5 إلى نحو 60، ثم قررت تكليف نصف الخريجين فقط، تاركة النصف الآخر يدفع ثمن وعود حكومية لم تعد قائمة.