كشفت الحكومة المصرية عن تأسيس شركة جديدة داخل مصر لمبادلة أذون الخزانة بأصول عقارية وحصص ملكية، بما يحول بعض الدائنين إلى مساهمين في ممتلكات عامة استراتيجية، في وقت تواجه فيه دين خارجي بلغ 164.78 مليار دولار.
سياسياً، تضع الخطوة المصريين أمام مشهد إنساني بالغ القسوة، إذ تُستخدم أصول الدولة ومدخرات العلاج وقناة السويس لتسوية ديون صنعتها سياسات توسعت في الاقتراض، بينما يتحمل المواطن كلفة الفقر والتقشف وفقدان السيادة.
بوابة جديدة للدائنين
وتضم الشركة المرتقبة أصولاً عقارية تابعة لوزارة المالية وهيئة قناة السويس، إلى جانب مساهمة نقدية من فوائض هيئة التأمين الصحي، في تركيب يربط بين مؤسسات سيادية وموارد اجتماعية يفترض توجيهها لخدمة المواطنين.
وبحسب المعطيات المتاحة، تنتهي إجراءات تأسيس الشركة خلال تموز الجاري، بعدما حصلت في الشهر الماضي على ترخيص لإدارة الأصول العقارية وتنميتها واستثمارها، والدخول في شراكات مع مطورين محليين وأجانب من القطاع الخاص.
وفي جوهر الآلية، يُسمح لحاملي أذون الخزانة بمبادلة أدوات الدين بحصص ملكية داخل الشركة، وهو تحول ينقل الدائن من موقع المطالب بالسداد إلى موقع الشريك في أصل مملوك للدولة المصرية.
غير أن الحكومة لم تكشف حتى الآن التفاصيل التشغيلية الكاملة، ولا قواعد تقييم الأصول، ولا حدود التملك، ولا طبيعة الضمانات التي تمنع انتقال السيطرة الفعلية على ممتلكات عامة إلى دائنين أو مستثمرين.
كما أن الموازنة الجديدة تكشف حجم الرهان على هذا المسار، إذ تصل التدفقات الرأسمالية المرتبطة بمبادلات الديون بحصص ملكية إلى 125.3 مليار جنيه خلال العام المالي 2026 و2027، وفق الأرقام الواردة.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو الشركة مجرد أداة فنية لإدارة عقارات، بل بوابة واسعة لإعادة توزيع ملكية أصول الدولة تحت ضغط الاستحقاقات، بعيداً عن نقاش عام جاد أو رقابة شعبية فعالة.
ولزيادة المخاوف، فإن هيئة قناة السويس ليست جهة عادية، بل مرفق يرتبط مباشرة بالأمن القومي وتدفقات النقد الأجنبي، بينما تمثل هيئة التأمين الصحي سنداً مالياً لخدمة ملايين محدودي الدخل في مختلف المحافظات.
ومن ثم فإن إدخال أصول القناة وفوائض التأمين الصحي في ترتيبات سداد الديون يفتح سؤالاً مركزياً حول أولوية حماية المال العام، وحدود التضحية بمصالح المستقبل لتغطية أعباء الحاضر المتراكمة والقاسية.
السيادة في المزاد
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي علاء الدين سعفان أن مصر واقتصادها وأصولها واستقلالها باتت بين مطرقة الديون وسندان غياب الإرادة الوطنية، مع تحويل الأصول الاستراتيجية إلى وسيلة لسداد التزامات مالية متضخمة.
ويؤكد سعفان أن هذه الديون تراكمت نتيجة سياسات توسعت في الاستدانة دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، ما جعل الدولة تلجأ إلى المقايضة بالأصول بدلاً من توليد موارد مستدامة تعزز الاقتصاد وتحمي الأجيال المقبلة.
وبذلك تتحول فلسفة إدارة المديونية من البحث عن نمو قادر على السداد إلى التخلص التدريجي من الممتلكات، وهو نهج يستهلك روافع الدولة الاقتصادية ويترك البلاد أضعف مالياً وسياسياً أمام الأزمات القادمة.
ولأن الأصول العامة ملك للشعب لا للسلطة التنفيذية، فإن استخدامها لتسوية فوائد وأقساط لم تنعكس على معيشة المواطنين يمثل استنزافاً لمقدرات وطنية كان يفترض أن تبقى مصدراً دائماً للدخل والسيادة.
وفي سياق سابق، استخدمت الحكومة المصرية مبادلات الديون مع إيطاليا وألمانيا والصين والإمارات، عبر تحويل أجزاء من الالتزامات المستحقة القائمة إلى حصص في مشروعات وأراض، تفادياً للسداد المباشر بالعملات الأجنبية.
كذلك سمحت الحكومة في كانون الأول الماضي لوزارتي التخطيط والمالية بالتواصل مع الدائنين مباشرة، ومن خلال نادي باريس، لتحويل أجزاء من الديون إلى مساهمات استثمارية في مشروعات توصف بأنها تنموية.
وفوق ذلك، خُصصت في يونيو الماضي مساحة 112.1 مليون متر مربع من أراضي الدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لاستخدامها ضمانة لإصدارات الصكوك السيادية وتوسيع قدرة الحكومة على الاقتراض.
وقبلها خُصصت مساحة 174.4 كيلومتراً مربعاً بمنطقة رأس شقير الساحلية لصالح وزارة المالية، ضمن مسار سبقته لجنة لحصر أراضي البحر الأحمر ومراجعتها بغرض استغلالها في خفض الديون المتراكمة وخدمة أعبائها.
بالتوازي، ناقش البرلمان مشروع إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بما يسمح بنقل أراض وحصص شركات وأصول إليه بقرار رئاسي، ويوسع صلاحياته في الاستحواذ والاستثمار وإدارة مناطق واسعة دون إذن برلماني.
وهكذا يتقاطع مسار الشركة الجديدة مع جهاز مستقبل مصر في نقطة واحدة، هي تجميع أصول الدولة داخل كيانات ذات صلاحيات واسعة واستثناءات متزايدة، بينما تبقى أدوات الرقابة والمساءلة أضعف من حجم التصرفات.
أما المخاوف الأوسع فتتعلق بمصير نحو 561 شركة حكومية، مع طرح 30 شركة منها في البورصة أو أمام مستثمرين استراتيجيين، ضمن مراجعات تستهدف الوفاء بمتطلبات التمويل وسداد جانب من فواتير الدين.
ومن جانبه، يرى سعفان أن تعدد الكيانات المستحدثة وتداخل أدوارها الاقتصادية يجريان دون رقابة كافية، وأن الضبابية المحيطة بملكية الأصول الجديدة تكرر مشكلات الصناديق السيادية وتضعف المحاسبة المالية أمام الجمهور المصري.
لذلك يطالب بالفصل بين المهام السيادية والأنشطة الاقتصادية، وتوحيد الموازنة العامة، وإنهاء هيمنة الجهات العسكرية على الموارد، باعتبار أن استمرار الغموض يحرم المواطنين تماماً من معرفة مصير أموالهم وأصولهم العامة.
استحقاقات تخنق الموازنة
وبالأرقام، ارتفع الدين الخارجي إلى 164.78 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2026، مقارنة مع 163.91 ملياراً في نهاية كانون الأول الماضي، بينما بلغ عجز الموازنة الجديدة نحو 1.1 تريليون جنيه.
وفي الربع الثالث، تواجه مصر التزامات خارجية بقيمة 10.6 مليار دولار، منها 2.1 مليار على الحكومة، و4.5 مليار على البنك المركزي، و2.9 مليار على البنوك والشركات، و1.2 مليار على قطاعات أخرى.
إضافة إلى ذلك، بلغت استحقاقات الربع الثاني نحو 16 مليار دولار، وتصل التزامات الربع الأخير إلى 12 ملياراً، ليسجل إجمالي المستحق من نيسان حتى كانون الأول نحو 38.6 مليار دولار.
وفي موازاة ذلك، تستحق لصندوق النقد الدولي دفعات بقيمة 263.7 مليون دولار خلال تموز، فيما بلغ عجز حساب المعاملات الجارية 14.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي.
ورغم وصول الاحتياطيات إلى 55.07 مليار دولار، وارتفاع تحويلات العاملين بالخارج إلى 43.1 ملياراً، وجذب استثمارات أجنبية بقيمة 15 ملياراً، خُفضت توقعات نمو الاقتصاد المصري للعام المالي المقبل إلى 4.4 بالمئة.
وأخيراً، لا تلغي هذه التدفقات حقيقة أن الدولة تعالج أزمة الدين ببيع المستقبل، فيما يبقى 109 ملايين مصري أمام تقشف أعمق وخدمات أضعف وسيادة تتآكل، بينما تتحول ممتلكاتهم إلى ضمانات وحصص للدائنين.

