محمد أبو رمان

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع

 

"بالنسبة إلينا، تمثل إيران تهديدًا وجوديًا. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهي ليست أكثر من تحدٍّ إقليمي". ... ربما لا يلخص هذا التصريح، للمدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، اللواء احتياط أمير برعام، طبيعة الخلاف الراهن بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحكومة بنيامين نتنياهو فحسب، بل يكشف أيضًا الفجوة الأعمق في إدراك الطرفَين للنظام الإقليمي الذي يتشكل بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

 

بينما تنظر إسرائيل إلى الحرب محطةً ينبغي أن تنتهي بتغيير قواعد اللعبة مع إيران، تتعامل واشنطن معها جزءًا من إدارة تنافس عالمي أوسع، تحتل فيه الصين ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ أولوية تتقدّم كثيرًا على الشرق الأوسط. ويختصر برعام هذه الفجوة بعبارة لافتة: "نحن نفكر في طهران وهم يفكرون في تايوان". ... لهذا السبب، بدأت تتنامى في إسرائيل مراجعات تتجاوز تقييم نتائج الحرب إلى مراجعة الافتراضات التي حكمت استراتيجيتها في العامَين الماضيَين. فبعد الحرب على غزّة، وتراجع قدرات مكوّنات في "محور الممانعة"، ساد شعور بأن إسرائيل بات لديها "فائض قوة" يسمح لها بالانتقال من سياسة الردع إلى فرض الهيمنة العسكرية الإقليمية، وربما الدفع نحو إسقاط النظام الإيراني، إلّا أنّ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أعادت قطاعًا مهمًا من المؤسّسة الأمنية إلى حسابات أكثر واقعية.

 

تتمثل إحدى أهم هذه المراجعات في الانتقال من التفكير بحسم الصراع مع إيران إلى إدارة صراع طويل الأمد معها. فإيران، رغم الخسائر العسكرية والاقتصادية الكبيرة، ما تزال تمتلك القدرة على إعادة بناء قدراتها العسكرية، وترميم شبكات نفوذها في لبنان والعراق واليمن، فضلًا عن استمرار امتلاكها أوراقًا جيوسياسية مهمّة، وفي مقدّمتها مضيق هرمز. والأهم أن الخلاف مع واشنطن لا يتعلق بتقدير حجم الخطر الإيراني، بقدر ما يتعلق بترتيب الأولويات؛ فبينما ترى إسرائيل إيران التهديد المركزي، تنظر إليها الولايات المتحدة ملفًا إقليميًا ينبغي إدارته من دون أن يطغى على أولويتها الكبرى في مواجهة الصين.

 

لا ينبغي أن تبقى هذه المراجعة إسرائيلية فحسب، فالحرب أخيرًا تفرض على دول المشرق العربي والخليج إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة، وإذا كانت إسرائيل تكتشف حدود القوة العسكرية، فالدول العربية مطالبة بإعادة التفكير في حدود الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية، وبناء توازن جديد في علاقاتها الدولية والإقليمية، يقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون بين القوى الإقليمية المتوسطة، مثل السعودية وتركيا ومصر وباكستان، انطلاقًا من المصالح الاستراتيجية المشتركة لا من ردّات الفعل الظرفية.

 

ربما أكثر ما يكشف هذا التحوّل هو التنافس على خرائط الجغرافيا الاقتصادية الجديدة، إذ يتراجع الزخم الذي أحاط بالممر الاقتصادي الهندي- الشرق الأوسط- أوروبا (IMEC)، بعدما اصطدم بالحرب، واستمرار القضية الفلسطينية، والسياسات الإسرائيلية التي دفعت دولًا عربية إلى إعادة النظر في أولوياتها. ومن جهة أخرى، تتقدّم أفكار بديلة تقوم على ربط الخليج بتركيا عبر الأردن وسورية، بإحياء سكة حديد الحجاز أو عبر شبكات جديدة للطاقة والإمداد. وهي ليست مجرّد مشاريع اقتصادية، بل تعكس تصوّرين مختلفين للنظام الإقليمي المقبل، وللجهات التي ستقوده.

 

وكشفت الحرب حدود الفرضية التي قامت عليها الاتفاقيات الإبراهيمية؛ أنّ الازدهار الاقتصادي قادر على تجاوز الصراع السياسي، وأنّ التطبيع يمكن أن يسبق تسوية القضية الفلسطينية. فقد أثبتت التطورات أخيرًا أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن يستقر في غياب تسوية سياسية عادلة، وأن تجاهل القضية الفلسطينية يجعل أي مشروع إقليمي عرضة للاهتزاز عند أول اختبار أمني كبير.

 

وفي المقابل، تبدو إدارة ترامب متمسّكة بهذا المسار، ليس لأسباب تتعلق بالسياسة الخارجية فحسب، وإنما أيضًا بفعل التحولات في الحزب الجمهوري، التي جعلت الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل من حسابات السياسة الداخلية الأميركية، ما يفرض على الدول العربية قراءة أكثر عمقًا لمراكز التأثير في واشنطن، وبناء أدوات ضغط تتناسب مع هذا الواقع الجديد.

 

الخلاصة، تعيش المنطقة لحظة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، فلا إسرائيل حسمت صراعها مع إيران، ولا الولايات المتحدة حسمت شكل التزامها الأمني في الشرق الأوسط، ولا النظام الإقليمي الجديد استقرّت قواعده بعد. وفي مثل هذه اللحظات لا تتحدّد مكانة الدول بقدرتها على التكيّف مع التحولات فحسب، بل أيضًا بقدرتها على المشاركة في صناعتها. وإذا لم تنجح القوى العربية والإقليمية المتوسّطة في تحويل مصالحها المشتركة إلى مشروع استراتيجي متكامل، سيواصل الآخرون رسم خرائط المنطقة واتخاذ القرارات التي ستحدّد مستقبلها.