قضت محكمة جنح مستأنف شمال الجيزة بقبول استئناف صبري نخنوخ في القضية رقم 22689 لسنة 2025 بالعجوزة، وألغت حبسه عامًا وتغريمه 240 ألف جنيه، وانتهت إلى تبرئته من اتهامات مخالفات البناء.

 

ويأتي الحكم بينما يقبع معارضون وصحفيون خلف القضبان بأحكام وصفتها منظمات حقوقية بأنها سياسية وجائرة، بما يعيد طرح سؤال قاس عن ميزان عدالة يلين أمام صاحب النفوذ، ويشتد على أصحاب الرأي والمواقف المعارضة.

 

وفي الوقت ذاته، تستعد محكمة جنايات القاهرة لنظر اتهام نخنوخ و10 آخرين باستعراض القوة والبلطجة والسرقة بالإكراه والاعتداء والتهديد، في قضية تختلف قانونيًا عن مخالفات البناء، لكنها ترتبط سياسيًا بسجل الرجل ونفوذه المتصاعد.

 

 

عفو أعاد رجل النفوذ

 

وبالعودة إلى الماضي، لم تكن براءة العجوزة أول محطة تنتهي لصالح نخنوخ، فقد شمله عفو رئاسي أصدره عبد الفتاح السيسي في مايو 2018، بعد سنوات من صدور حكم بالسجن المؤبد في قضية أسلحة ومخدرات.

 

ووفقًا لتغطية قضائية موثقة، أدانت جنايات الإسكندرية نخنوخ بالمؤبد عام 2013 لحيازة أسلحة نارية وتعاطي المخدرات، ثم أيدت محكمة النقض العقوبة عام 2014، قبل أن يفتح حكم دستوري باب إعادة الإجراءات وينتهي المسار بالعفو الرئاسي.

 

وعلى نحو لافت، لم يكن العفو مجرد إفراج عن سجين قضى جانبًا من العقوبة، بل أعاد إلى المجال العام شخصية ارتبط اسمها طويلًا بالبلطجة والسلاح، ثم ظهر لاحقًا في موقع اقتصادي وأمني بالغ الحساسية.

 

وبعد ذلك، آلت إلى نخنوخ رئاسة إحدى أكبر شركات الأمن والحراسة في مصر، وهي شركة تتعامل مع مؤسسات وبنوك ومنشآت كبرى، ما أثار تساؤلات بشأن تحول مدان سابق إلى فاعل رئيسي في قطاع يرتبط بالأمن العام.

 

ومن هذه الزاوية، لا تبدو براءة مخالفات البناء واقعة منفصلة تمامًا، بل حلقة جديدة في مسار جمع بين الإدانة الثقيلة والعفو الرئاسي واستعادة النفوذ، قبل العودة مجددًا إلى قفص الاتهام في قضية بلطجة وترويع.

 

ويرى الباحث الحقوقي عمرو مجدي أن أزمة حقوق الإنسان في مصر لا تعالجها حملات العلاقات العامة، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وهو معيار يضع قرارات العفو والاحتجاز والمحاكمة أمام سؤال العدالة المتساوية.

 

وفوق ذلك، يصبح العفو عن نخنوخ أكثر استفزازًا عند مقارنته بآلاف المحتجزين سياسيًا الذين وثقت منظمات حقوقية استمرار حبسهم سنوات، رغم تدهور حالتهم الصحية أو انتهاء مدد الحبس أو افتقار قضاياهم إلى أدلة جنائية جدية.

 

وبالتالي، تكمن القضية في الاعتراض على سلطة قائد الانقلاب العسكري الدستورية في العفو، وفي كيفية استخدامها، ومن يستفيد منها، ولماذا اتسعت لرجل أدين بالسلاح بينما ظلت مغلقة طويلًا أمام صحفيين ومعارضين ومرضى.

 

 

أحكام سياسية قاسية ضد المعارضين

 

وفي المقابل، وثقت هيومن رايتس ووتش أحكامًا جماعية بالإعدام والمؤبد ضد معارضين وصحفيين، وقالت بعد مراجعة أوراق إحدى القضايا إن الأدلة لم تتجاوز شهادة ضابط وأنشطة إعلامية وتنظيمًا سياسيًا سلميًا معارضًا للسلطة.

 

كما وصفت المنظمة تلك القضية بأنها نموذج لتسييس العدالة، بعدما عوقب من غطوا أحداث القتل الجماعي أو عارضوا السلطة، بينما لم يخضع المسؤولون عن قتل مئات المتظاهرين في فض اعتصام رابعة للمحاسبة الجنائية.

 

ومن جانب آخر، أكدت المنظمة أن مصر ظلت بين أسوأ دول العالم في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، وأن عددًا من تلك الأحكام صدر في محاكمات جماعية جائرة افتقرت إلى الضمانات الضرورية للمحاكمة العادلة.

 

وعلاوة على ذلك، وثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات استمرار حبس صحفيين على ذمة قضايا سياسية، واستخدام اتهامات مثل نشر الأخبار الكاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل لتبرير الحبس الاحتياطي الممتد وإعادة تدوير المتهمين.

 

وفي هذا الإطار، قال جو ستورك، المسؤول السابق في هيومن رايتس ووتش، إن سجن من مارسوا العمل الصحفي أو المعارضة السلمية، بينما يفلت المسؤولون عن القتل، يمثل تسييسًا مهينًا للعدالة ومحاولة لإسكات المعارضة.

 

وعند المقارنة، تبدو المفارقة فادحة بين معارضين حوكموا بأحكام قاسية استنادًا إلى منشورات أو نشاط سياسي، وبين رجل أدين بحيازة أسلحة ثم نال عفوًا، قبل أن يعود اسمه إلى قضية تتضمن اتهامات جديدة بالعنف والترويع.

 

ومن ثم، لا يحتاج نقد هذه المفارقة إلى الدفاع عن نخنوخ أو افتراض براءة خصوم السلطة جميعًا، بل إلى المطالبة بمعيار واحد يفرق بين الرأي والجريمة، ويعامل العنف الحقيقي بصرامة لا تتغير بحسب موقع المتهم.

 

كذلك، يرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن استقلال القضاء لا ينفصل عن البيئة السياسية والتشريعية المحيطة به، وأن الضمانات الشكلية تفقد قيمتها عندما تظل السلطة التنفيذية قادرة على التأثير في منظومة العدالة ومساراتها العامة.

 

ولهذا، فإن براءة نخنوخ لا تثبت وحدها وجود تدخل سياسي، لكنها تصبح سياسيًا مثيرة للريبة عندما توضع بجوار عفو رئاسي سابق وسجل من الأحكام القاسية ضد معارضين، وثقتها منظمات دولية باعتبارها محاكمات جائرة.

 

 

إتهامات بالبلطجة أمام القضاء

 

أما القضية الجديدة، فقد قالت النيابة العامة إن تحرياتها أثبتت تزعم نخنوخ وآخرين تشكيلًا لفرض السيطرة وممارسة البلطجة بالقوة والتهديد، واتخاذ شركة أمن وحراسة ستارًا للنشاط، مع استخدام الأموال والأسلحة لتسهيله.

 

وبحسب بيان النيابة، أسفر التفتيش عن ضبط وحدة تسجيل كاميرات مبلغ بسرقتها، وبندقيتين آليتين ورشاش وطبنجة وذخائر قاربت ألف طلقة وأجهزة اتصال غير مرخصة، إلى جانب قطع أثرية داخل المواقع التي جرى تفتيشها.

 

إضافة إلى ذلك، أعلنت النيابة أن فحص الهواتف كشف تسجيلات تتعلق بوقائع خطف وهتك عرض واحتجاز وتعذيب وإكراه على توقيع أوراق وحيازة أدوات تعذيب، مع استمرار التحقيق في هذه الوقائع بصورة مستقلة.

 

ومع خطورة هذه الوقائع، تبقى الاتهامات خاضعة لإثبات المحكمة، لكن سجل العفو والبراءة الأخيرة يمنحان الرأي العام أسبابًا مشروعة لمراقبة المحاكمة، خشية أن تنتهي القضية إلى تخفيف جديد لا يتناسب مع جسامة الأدلة.

 

وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن تتحول قرينة البراءة إلى ستار يمنع الصحافة من تفكيك النفوذ، كما لا يجوز تحويل الإدانة السياسية إلى حكم قضائي مسبق، وإنما يجب الفصل بين حقوق الدفاع وحق المجتمع في المساءلة.

 

وفي السياق نفسه، حذر عمرو مجدي من محاكمات عسكرية واضحة الجور ومن توسيع سلطة المؤسسات الأمنية على المدنيين، مؤكدًا أن العدالة لا تستقيم عندما تصبح المحاكمة أداة لضبط المجال السياسي بدلًا من حماية الحقوق.

 

وبصورة أوسع، تكشف المقارنة أن الدولة المصرية لم تكن عاجزة عن إصدار أحكام شديدة، فقد استخدمت المؤبد والإعدام والحبس المطول بحق معارضين، لكنها أظهرت مرونة استثنائية حين تعلق الأمر بنخنوخ عبر العفو وإعادة بناء النفوذ.

 

لهذا السبب، سيكون الحكم في قضية التجمع الخامس اختبارًا يتجاوز مصير متهم بعينه، لأنه سيكشف إن كانت الدولة جادة في مواجهة البلطجة المسلحة، أم أن شعار القانون فوق الجميع سيظل خاضعًا لموازين القوة.

 

وفي المحصلة، لا تعني براءة مخالفات البناء حتمية تخفيف الحكم في القضية الجديدة، لكنها تبرر الخشية السياسية، خصوصًا بعد العفو السابق، وتفرض رقابة صحفية وحقوقية دقيقة على الأدلة والإجراءات والتسبيب وأي استعمال محتمل للرأفة.

 

وأخيرًا، فإن العدالة التي تستحق الثقة لا تعفو عن أصحاب السلاح ثم تسحق أصحاب الكلمة، ولا تمنح أصحاب النفوذ مسارات استثنائية بينما تحاصر المعارضين بقضايا سياسية، بل تطبق معيارًا واحدًا بلا حماية ولا انتقام.