كشف البنك الدولي أن مصر مطالبة بسداد نحو 10.6 مليارات دولار خلال الربع الثالث من 2026، داخل البلاد وخارجها، ضمن استحقاقات ديون متصاعدة، بما يضغط على موارد النقد الأجنبي ويعمق الأزمة المالية للدولة.
وفي المقابل، تكشف الأرقام أن سلطة السيسي لم تستخدم سنوات الاقتراض لبناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد الدولار، بل راكمت التزامات ضخمة، بينما تحمل المواطن نتائج الغلاء والضرائب وتقليص الدعم وتدهور الخدمات الأساسية.
جدار ديون متصاعد
وبحسب البيانات، ترتفع المدفوعات المستحقة خلال الربع الرابع من 2026 إلى نحو 12 مليار دولار، تشمل سندات دولية وقروضا متوسطة الأجل، لتواصل الخزانة البحث عن عملات أجنبية لسداد التزامات سابقة.
كما بلغت استحقاقات الربع الثاني نحو 16 مليار دولار، ما يرفع إجمالي المدفوعات بين بداية إبريل ونهاية ديسمبر 2026 إلى قرابة 38.6 مليار دولار، وهو رقم يكشف حجم المأزق التمويلي.
وفوق ذلك، وصل إجمالي الدين الخارجي المصري بنهاية 2025 إلى نحو 163.9 مليار دولار، بعد توسع النظام خلال السنوات الماضية في القروض والسندات وتمويل المشروعات التي لم تحقق عائدا دولاريا كافيا.
وبالتالي، تقترب المدفوعات المستحقة خلال تسعة أشهر فقط من 70% من صافي الاحتياطي المعلن، وهي مقارنة لا تعني إنفاق الاحتياطي بالكامل، لكنها تكشف شدة الضغط الواقع على موارد الدولة الدولارية.
ومن ثم، لا تمثل الأزمة مجرد مواعيد محاسبية عابرة، لأن سداد الديون يحتاج إلى تدفقات حقيقية من الصادرات والسياحة وقناة السويس والاستثمار، وليس إلى إعادة الاقتراض وترحيل الفاتورة إلى سنوات لاحقة.
غير أن الحكومة تواصل تقديم كل قرض جديد باعتباره شهادة ثقة دولية، متجاهلة أن التمويل المقترض يضيف التزاما جديدا، وأن استخدامه لسداد ديون أقدم يحول الاقتصاد إلى دائرة مفرغة من الاستدانة.
وفي هذا السياق، حذرت الخبيرة الاقتصادية مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، سابقا من اتساع فجوة التمويل الخارجي لمصر، مؤكدة ضرورة تنفيذ إصلاحات واسعة لاستعادة ثقة المستثمرين وجذب تدفقات مستقرة.
وعليه، فإن تحذير مالك يظل شديد الصلة بالمشهد الحالي، لأن الاستثمارات المنتجة لم تحل محل الأموال الساخنة والقروض، بينما بقيت قطاعات واسعة خاضعة لهيمنة الدولة والمؤسسات العسكرية ومنافسة غير متكافئة.
احتياطي تحت الضغط
في الوقت نفسه، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وهو مستوى قياسي تستخدمه الحكومة لترويج صورة أكثر استقرارا للاقتصاد.
لكن ارتفاع الاحتياطي لا يلغي حقيقة أن جزءا من موارد النقد الأجنبي يرتبط بودائع وتمويلات واتفاقات استثمارية وقروض دولية، بينما تبقى الدولة مطالبة بتوفير الدولار للواردات وسداد الديون وخدمة الالتزامات الخارجية.
إضافة إلى ذلك، يجب التمييز بين حجم الاحتياطي وبين قدرة الاقتصاد الذاتية على إنتاج العملة الأجنبية، لأن الاحتياطي قد يرتفع مؤقتا بفعل صفقة استثمارية أو قرض، من دون تحسن هيكلي في الإنتاج.
كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 حتى مايو 2026، مقابل 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
ورغم ذلك، تكشف هذه القفزة أن المصريين في الخارج أصبحوا أحد أهم خطوط الدفاع عن العملة، بينما لم تنجح السياسات الاقتصادية الداخلية في بناء صادرات صناعية وزراعية تتناسب مع عدد السكان واحتياجات البلاد.
ومن ناحية أخرى، يرى محمد أبو باشا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي في المجموعة المالية هيرميس، أن تدفقات التحويلات مرشحة للصمود بدعم اقتصادات الخليج والإنفاق الحكومي فيها، وخاصة في السعودية أكبر مصادر التحويلات.
ومع هذا، فإن الاعتماد المتزايد على تحويلات المغتربين يحمل مفارقة سياسية قاسية، إذ يدعم المواطنون اقتصاد بلدهم من الخارج، بينما تلتهم الأسعار والرسوم والضرائب دخول أسرهم في الداخل تحت سياسات التقشف المتواصلة.
كذلك، لا تعكس زيادة الاحتياطي تحسنا مماثلا في مستوى معيشة المصريين، فقد استمرت موجات ارتفاع الأسعار، وتراجعت القوة الشرائية، وأصبحت الأسر تدفع تكلفة استقرار مالي يخدم الدائنين قبل احتياجات المجتمع.
موازنه من أجل الدائنين
أما الموازنة الجديدة للعام المالي 2026 و2027، فتستهدف إيرادات تقارب 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات متوقعة بنحو 5.1 تريليونات جنيه، ما يترك فجوة ضخمة ستحتاج مجددا إلى الاقتراض المحلي والخارجي.
وبناء على ذلك، تعلن الحكومة أنها تستهدف تقليل الاحتياجات التمويلية بنحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط، وخفض خدمة الدين إلى قرابة 35% من المصروفات، دون ضمانات تمنع عودة الاستدانة.
وعلاوة على ذلك، أشار محمد أبو باشا إلى احتمال تراجع تكاليف خدمة الدين تدريجيا خلال العام المالي الجديد، مستفيدة من الآثار المتأخرة لتيسير السياسة النقدية، بما قد يتيح مساحة محدودة أمام الخزانة.
إلا أن هذا التحسن المحتمل يظل رهنا بانخفاض مستدام للفائدة والتضخم واستقرار العملة، وهي شروط تصطدم بالتوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، فضلا عن استمرار الحاجة الحكومية إلى اقتراض محلي كثيف.
ومن جهة أخرى، وصف جيمس سوانستون، كبير اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، مخاطر الميزانية المصرية بأنها مرتفعة، وإن كان يتوقع تراجعها تدريجيا مع تحسن بعض المؤشرات.
بيد أن توقع انحسار المخاطر لا يعني انتهاء الأزمة، لأن خدمة الدين تبتلع حصة ضخمة من الإنفاق العام، وتحرم قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية من الموارد اللازمة لمواجهة الفقر وتراجع مستوى المعيشة.
وفي الأثناء، يمهد الاتفاق المبدئي بشأن المراجعة السابعة لبرنامج صندوق النقد الطريق أمام تمويل يتجاوز 1.6 مليار دولار، لكنه يضيف أموالا جديدة إلى اقتصاد أصبح شديد الاعتماد على دعم المؤسسات الدولية.
لذلك، تبدو موافقة الصندوق أقرب إلى جرعة سيولة تمنع انفجار الأزمة مؤقتا، وليست دليلا على سلامة النموذج الاقتصادي، خصوصا أن البرنامج يواصل ربط التمويل بالتقشف وبيع الأصول ورفع الأسعار.
وبالتوازي، خفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد خلال العام المالي 2026 و2027 إلى 4.4%، بعد توقع سابق بلغ 4.8%، بما يعكس اعترافا بأن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة واضطرابا.
ومقابل ذلك، رفع الصندوق تقديره لنمو العام المالي المنتهي إلى 4.6% بدلا من 4.2%، غير أن النمو الكلي لا يكشف وحده توزيع ثماره، ولا يثبت تحسن دخول المواطنين أو تراجع الفقر.
وأخيرا، تكشف أرقام الدين والاحتياطي والنمو أن السلطة نجحت في تأجيل الانفجار لا في علاج أسبابه، بينما يبقى المصريون رهائن لاقتصاد يقترض ليسدد، ويبيع الأصول ليوفر الدولار، ويقشف لحماية الدائنين.

