قدمت وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي استقالتها إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بعد صدور حكم بات من محكمة النقض ألزمها بدفع 100 ألف جنيه وسحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، فقبلت الحكومة الاستقالة فوراً.
كشفت الواقعة أن وزيرة الثقافة لم تغادر بسبب خلاف سياسي أو حملة إعلامية، بل بعد إدانة قضائية نهائية في قضية تعد على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد، بما أسقط أي مساحة للتبرير.
ولذلك لا تبدو الاستقالة بطولة أخلاقية ولا تضحية لحماية الحكومة، لأن الأصل أن يخرج من المنصب العام من تثبت بحقه مخالفة قضائية تمس الأمانة الفكرية، خاصة عندما يكون مسؤولاً عن ثقافة بلد كامل.
ومن هنا يفرض سقوط جيهان زكي سؤالاً أكثر إحراجاً للحكومة نفسها، وهو لماذا بقي وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في موقعه رغم الجدل الممتد حول مؤهلاته العلمية والبلاغات والدعاوى التي طالبت بفحصها.
وبينما تحسم المحاكم قضية وزيرة الثقافة بحكم نهائي، ظل ملف وزير التعليم محاطاً بإجابات حكومية ناقصة، وتناقضات في السير المنشورة، وأسئلة عن جامعات وشهادات، من دون كشف رسمي شامل يضع الوثائق الأصلية أمام المصريين.
في المقابل لا يعني غياب حكم نهائي ضد وزير التعليم أن القضية انتهت، لأن المسؤولية السياسية أوسع من المسؤولية الجنائية، والمنصب الوزاري لا يفترض انتظار الإدانة عندما تصبح الثقة العامة نفسها موضع شك مشروع.
كما أن خطورة الملف تتضاعف لأن الوزير المعني ليس مسؤولاً عن قطاع عادي، بل يقود مؤسسة يفترض أنها تعلم ملايين الطلاب قيمة الصدق، وتحارب الغش، وتتحقق من الشهادات، وتفرض الانضباط على المعلمين والطلاب.
عندما تسقط الحصانة السياسية
ومع ذلك استمرت الحكومة في التعامل مع أزمة المؤهلات باعتبارها ضجيجاً يمكن تجاوزه، رغم أن الجدل بدأ منذ تعيين عبد اللطيف في 2024 ووصل إلى البرلمان والنيابة والقضاء، ولم ينته بإجابة وثائقية قاطعة.
وعلى هذا الأساس تقدم المحامي بالنقض عمرو عبد السلام ببلاغات وتحركات قضائية، وقال إن طبيعة منصب وزير التعليم تجعل المؤهلات والخبرة مسألة جوهرية، وإن الجدل حولها لا يجوز دفنه خلف سلطة التعيين.
وبحسب طرح عبد السلام فإن القضية لا تقف عند شرط دستوري صريح بضرورة الدكتوراه، بل تتصل بصحة ما قدم للرأي العام من بيانات، وبأهلية من يرسم السياسات التعليمية ويحاسب الآخرين على الشهادات والنتائج.
فضلاً عن ذلك فإن استمرار الوزير بلا كشف كامل للوثائق يحول الشك من أزمة شخصية إلى أزمة حكم، لأن الحكومة هي التي تملك أدوات التحقق، وهي التي اختارته، وهي التي ترفض حتى الآن إنهاء الجدل بشفافية.
في السياق نفسه قالت تقارير إن بيانات وزارة التعليم تخلت لاحقاً عن وصف عبد اللطيف بالدكتور، وهو تغير زاد الأسئلة بدلاً من إغلاقها، لأن حذف اللقب لا يفسر تاريخ ظهوره ولا حقيقة المؤهلات المعلنة.
والأخطر أن الحكومة لم تقدم للرأي العام مساراً واضحاً يشرح من فحص المؤهلات قبل التعيين، وما الجهات التي راجعت الشهادات، وهل طابقت بيانات الجامعات الأصلية، ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت خلل في المعلومات.
أما الخبير التربوي مجدي حمزة فطرح اتجاهاً مختلفاً حين قال إن حصول الوزير على الدكتوراه ليس شرطاً لازماً للنجاح، لكن هذا الرأي نفسه لا يلغي ضرورة صدق السيرة المعلنة ووضوح مصدر كل مؤهل.
شهادات الطلاب تحت المجهر
ومن ناحية أخرى تبدو المفارقة قاسية في بلد تعاقب فيه المدارس والجامعات الطلاب على الغش وتدقق الدولة في الشهادات عند التوظيف، بينما يبقى أعلى مسؤول عن التعليم محاطاً بأسئلة لم تحسمها الحكومة علناً.
لهذا فإن القضية لا تتعلق بحب لقب أكاديمي أو كراهية وزير بعينه، وإنما بقاعدة بسيطة تقول إن من يطلب من الناس تقديم أوراق صحيحة يجب أن تكون أوراقه هو أول ما يخضع للفحص الصارم.
وبالتالي يصبح صمت الحكومة رسالة سلبية للمعلمين والطلاب، لأن الدولة التي ترفع شعارات النزاهة التعليمية لا تستطيع إقناع المجتمع بها وهي ترفض نشر نتيجة تحقق مستقلة ومفصلة في مؤهلات الوزير نفسه.
كذلك تكشف استقالة جيهان زكي أن السلطة تستطيع التحرك سريعاً عندما يصبح بقاء مسؤول مكلفاً سياسياً، لكنها اختارت في قضية وزير التعليم سياسة الاحتمال والمراوغة، بما يجعل معيار البقاء مختلفاً من وزير لآخر.
وفي هذا الإطار تؤكد الكاتبة سهير عبد الحميد أن معركتها كانت للدفاع عن حقها الأدبي والفكري، وهو ما ينسف محاولات تحويل القضية إلى خلاف شخصي ويثبت أن الحكم تناول حقاً محدداً انتهكته المحكمة.
ومن ثم فإن وصف استقالة جيهان زكي بأنها رفع للحرج يخفف من جوهر الواقعة، لأنها غادرت بعد حكم بات، والأدق أن الحكومة تخلصت متأخرة من مسؤول أدين قضائياً في قضية تمس صميم منصبه.
المعيار الغائب في الحكومة
وعلاوة على ذلك فإن الخبير القانوني عمرو عبد السلام يرى أن بقاء وزير التعليم يثير سؤال الأهلية السياسية والقانونية، خصوصاً مع استمرار نزاع قضائي يطلب بطلان التعيين وفحص حقيقة المؤهلات المنسوبة إليه.
وفي زاوية دستورية مقارنة يقول أستاذ القانون الدستوري ليث نصراوين إن المسؤولية السياسية لا تتطلب دائماً انتظار ثبوت مخالفة قضائية، وإن فقدان الثقة قد يكفي لطلب الاستقالة، وهو مبدأ يضاعف حرج حكومة مدبولي.
وبناء على ذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إن الوزير يمتلك رؤية أو خبرة عملية، لأن الخبرة لا تبرر أي تضارب محتمل في المؤهلات، والرؤية لا تعفي صاحبها من تقديم مستندات قابلة للتحقق العام.
وفوق ذلك فإن بقاء الملف مفتوحاً لعامين تقريباً يضعف حجة الحكومة نفسها، فالدولة التي تملك الوزارات والجامعات والسفارات والجهات الرقابية لا تحتاج كل هذا الوقت لتحديد حقيقة شهادات وزير يجلس داخل مجلسها.
وفي النهاية تكشف المقارنة بين جيهان زكي ومحمد عبد اللطيف أن الحكومة لا تملك معياراً معلناً للمساءلة، فالإدانة القضائية أسقطت وزيرة، بينما بقيت شبهات مؤهلات وزير آخر بلا تحقيق معلن يقنع المجتمع.
لذلك فإن السؤال لم يعد لماذا استقالت وزيرة الثقافة، فهي أدينت بحكم نهائي وكان خروجها أمراً بديهياً، بل لماذا لا تكشف الحكومة كل أوراق وزير التعليم وتحدد بوضوح هل يستحق البقاء أم الرحيل.

