قاسم قصير
باحث وكاتب سياسيي من لبنان
بعد مرور أربعة أشهر وعشرة أيام على استشهاده، شيّعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية جثمان قائدها الإمام السيد علي خامنئي مع أفراد عائلته الذين استشهدوا معه في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي. وقد حرص المسؤولون الإيرانيون على تحويل مشهد التشييع في إيران والعراق إلى حدث سياسي وشعبي ودبلوماسي غير عادي، من خلال مشاركة الملايين من الشعبين الإيراني والعراقي وحضور وفود دبلوماسية وسياسية وشعبية ودينية من حوالي ثمانين دولة، إضافة إلى ظهور عدد كبير من قادة إيران خلال التشييع، باستثناء السيد مجتبى خامنئي لأسباب أمنية، وإطلاق المواقف الواضحة حول مختلف التطورات الداخلية والخارجية.
فما هي أبرز دلالات هذا التشييع الضخم؟ وما هي التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها إيران اليوم بعد تشييع السيد خامنئي؟ وأي دور مطلوب في المرحلة المقبلة؟
لا بد في البداية من الإشارة لأهمية الدور الذي قام به السيد خامنئي طيلة 37 عاما خلال قيادته للجمهورية الإسلامية الإيرانية والصفات التي تميّز بها.
فعند تولي الإمام السيد علي خامنئي قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد رحيل الإمام الخميني في العام 1989 كان السؤال المركزي لدى الكثيرين في إيران وخارجها: كيف سيستطيع السيد خامنئي متابعة مسيرة الإمام الخميني في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ظل التحديات الكثيرة التي تواجهها داخليا وخارجيا، وخصوصا أنها كانت قد خرجت حديثا من حرب كبرى خاضتها ضد النظام العراقي واستمرت حوالي ثماني سنوات.
ولكن خلال 37 سنة من قيادة السيد خامنئي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحتى استشهاده في 28 فبراير 2026 نجح في متابعة مسيرة الإمام الخميني وبناء دولة قوية وقادرة على مواجهة مختلف التحديات.
وقد تميز السيد الخامنئي بميزات عديدة في شخصيته، وأهمها ثلاث صفات وهي امتلاك الرؤية الاستراتيجية والمشروع الوحدوي والقدرة الاستشرافية.
فعلى صعيد الرؤية الاستراتيجية كان السيد خامنئي يمتلك رؤية استراتيجية متكاملة في بناء إيران ودورها وكيفية مواجهة مختلف التحديات، وخصوصا على صعيد امتلاك القدرة العلمية والعسكرية والاقتصادية وتعزيز الاستقلال وإقامة العلاقات الدولية والإقليمية.
والنقطة الثانية مشروعه الوحدوي والذي هو استكمال لكل أفكاره التي حملها قبل انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية وبعدها، وتحدث عنها في العديد من كتبه وخصوصا مذكراته، فقد كان يؤمن بالوحدة الوطنية والإسلامية الحقيقية ويدعو إليها ويعمل من أجلها. ومعروف عنه أنه كان يطالع بشكل دائم الكتب التي أصدرها خدد من قيادات حركة الإخوان المسلمين وكان يترجمها إلى الفارسية، وخصوصا كتب سيد قطب، وكان يتأثر كثيرا عند قراءتها ويبكي أحيانا من بعض الإشارات المهمة فيها كما تحدث في مذكراتها بعنوان: صبر ونصر.
ثالثا، البعد الاستشرافي في مسيرته ومواقفه، فقد كان يدرك المخاطر والتحديات ويقدم أفكارا وآراء مستقبلة، ومن أهمها نظرته للمفاوضات مع أمريكا حول الملف النووي. فرغم أنه لم يمانع من التفاوض فإنه كان دوما يحذر من الخداع الأمريكي والانقلاب على الاتفاقيات، وكان يؤكد ثقته بالشعب الإيراني وقدرته وصموده. وقد دفع الإمام الخامنئي ضريبة هذا المشروع الإسلامي وتحديه للمشروع الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة.
لكن شهادته لم توقف المشروع الإسلامي الإيراني، وخصوصا خلال الحرب الأمريكية- الإسرائيلية الأخيرة التي شنت على إيران بعد استشهاده، بل أعطت شهادته مع عدد من أفراد العائلة والقادة الإيرانيين قوة دفع كبيرة للشعب الإيراني برزت في الحرب التي خاضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العدوان الإسرائيلي والأمريكي طيلة الأشهر الماضية، وقد استطاعت بصمودها وقوتها ووحدتها أن تهزم هذا المشروع وتحقق انتصارا كبيرا بقيادة خليفته آية الله السيد مجتبى خامنئي وقوة الشعب الإيراني وقواته المسلحة، وشكّل الاتفاق- الاطار الذي تم توقيعه في السادس والعشرين من شهر حزيران/يونيو الماضي مع أمريكا برعاية من باكستان وقطر؛ مؤشرا هاما لقدرة إيران على الصمود والنصر رغم حجم العدوان.
لكن هذه الحرب لم تنته كلية، والاتفاق الأمريكي- الإيراني قد يتعرض للانهيار، كما أن التهديدات الأمريكية- الإسرائيلية لإيران مستمرة. فهل ستنجح إيران بقيادة السيد مجتبى خامنئي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية؟ وأي دور لإيران في المرحلة المقبلة؟
التحديات التي تواجهها إيران اليوم كثيرة، وأبرزها الحفاظ على الوحدة الداخلية وحماية المؤسسات وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات التي تعرضت للعدوان، وكذلك بناء القوة العسكرية البحرية والجوية والصاروخية التي تم تدمير اقسام كبيرة منها، وقد نجحت إيران خلال الحرب في إبراز التماسك الداخلي وحماية إيران في وجه العدوان وبناء تكتلات خارجية ساعدت في حمايتها.
وستكون مهمة حماية الوحدة الداخلية وتماسك المؤسسات من أبرز التحديات المقبلة، إضافة لكيفية تعزيز العلاقات مع دول الجوار وخصوصا الدول الخليجية التي تعرضت لأزمة كبيرة بسبب الحرب وتداعيتها، كما أن دور إيران الداعم لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين سيكون أحد أبرز التحديات المقبلة.
ويبقى السؤال الهام: أي دور لإيران في المرحلة المقبلة؟ وهل سنشهد إيران جديدة على صعيد الرؤية السياسية والفكرية والعلاقة مع أمريكا والخارج؟
المواقف المعلنة للمسؤولين الإيرانيين تؤكد الحفاظ على مواقفها الداعمة لقوى المقاومة، لكن تطبيق ذلك سيواجه تحديات كبرى، كما أن إيران بحاجة في المرحلة المقبلة لبناء تكتل إقليمي جديد مع عدد من الدول العربية والإسلامية لمواجهة مختلف التحديات وهذا يتطلب رؤية جديدة مستقبلية.
تشييع السيد خامنئي الضخم يؤكد قوة إيران وصمودها ووحدتها، لكن الأهم في كيفية الحفاظ على هذه الوحدة مستقبلا والاستفادة من كل عناصر القوة لمواجهة التحديات المختلفة داخليا وخارجيا، وهذه مهمة ليست سهلة أمام القيادة الإيرانية الجديدة بقيادة السيد مجتبى خامنئي.

