تعيش العلاقات بين الأرجنتين والاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر مراحلها تقاربا خلال العقود الأخيرة، خصوصا منذ وصول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى السلطة، حيث انتقلت العلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى ما يشبه التحالف السياسي والاستراتيجي، في وقت تتعرض فيه إسرائيل لانتقادات دولية واسعة بسبب حربها على قطاع غزة وما خلفته من أعداد كبيرة من الشهداء الفلسطينيين.

 

وبينما تبنت غالبية دول أمريكا اللاتينية مواقف أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، اتجهت حكومة ميلي إلى تعزيز علاقتها مع تل أبيب، وإعلان دعم واضح لإسرائيل في المحافل الدولية، واتخاذ خطوات اعتبرها مراقبون انحيازا كاملا للرؤية الإسرائيلية، مقابل غياب مواقف أرجنتينية قوية تدين الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

 

جذور العلاقة.. تعاون قديم بدأ منذ قيام دولة الاحتلال


تعود العلاقات الدبلوماسية بين الأرجنتين وإسرائيل إلى عام 1949، بعد وقت قصير من إعلان قيام دولة الاحتلال، وكانت الأرجنتين من أوائل دول أمريكا اللاتينية التي أقامت علاقات رسمية مع تل أبيب.

 

وخلال العقود التالية تطورت العلاقات في مجالات مختلفة، خاصة التجارة والتعاون العسكري، وشهدت فترات من التقارب الكبير، رغم وجود بعض الخلافات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

 

وكانت إحدى أبرز محطات التعاون العسكري بين البلدين خلال حرب جزر فوكلاند عام 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا، حيث كشفت وثائق بريطانية رفعت عنها السرية لاحقا عن قيام إسرائيل ببيع أسلحة ومعدات عسكرية للأرجنتين خلال الحرب، تضمنت أنظمة رادار وصواريخ جو-جو ومعدات لطائرات مقاتلة.

 

كما لعبت طائرات "سكاي هوك" التي حصلت عليها الأرجنتين عبر إسرائيل دورا في العمليات العسكرية ضد القوات البريطانية خلال الحرب، وأسهمت في إغراق سفن تابعة للبحرية الملكية البريطانية.

 

عهد خافيير ميلي.. انتقال العلاقة إلى مستوى التحالف السياسي


منذ فوز خافيير ميلي بالانتخابات الرئاسية عام 2023، دخلت العلاقات الأرجنتينية الإسرائيلية مرحلة جديدة، بعدما أعلن الرئيس الجديد أن إسرائيل ستكون إحدى أهم ركائز سياسته الخارجية.

 

ووصف ميلي نفسه في أكثر من مناسبة بأنه من أكثر الزعماء دعما لإسرائيل، مؤكدا أن بلاده ستعمل على تعزيز التعاون مع تل أبيب في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية.

 

وبعد وصوله إلى الحكم، اتخذت حكومته عددا من الخطوات التي اعتبرها الفلسطينيون وأنصار القضية الفلسطينية انحيازا لإسرائيل، أبرزها:


تصنيف حركة حماس "منظمة إرهابية".


دعم المواقف الإسرائيلية في المحافل الدولية.


معارضة خطوات دبلوماسية تدعم حصول فلسطين على اعتراف دولي أوسع.


الإعلان عن نية نقل السفارة الأرجنتينية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.


ولم تقتصر علاقة الرئيس الأرجنتيني بإسرائيل على المواقف السياسية، بل حملت زياراته إلى الأراضي المحتلة رسائل رمزية واضحة.

 

وخلال إحدى زياراته إلى القدس، ظهر ميلي مرتديا "الكيباه" اليهودية أثناء مشاركته في طقوس ورقصات دينية مع مستوطنين قرب حائط البراق في البلدة القديمة، كما ظهر وهو يبكي أمام الحائط الغربي، وزار عائلات إسرائيليين محتجزين في قطاع غزة، إضافة إلى زيارة مستوطنة نير عوز قرب القطاع.

 

هذه المشاهد أثارت انتقادات واسعة من جهات فلسطينية وعربية، باعتبارها تعكس تبنيا كاملا للرواية الإسرائيلية، خصوصا في ظل استمرار الحرب على غزة.

 

الانسحاب من لقاء سفراء الدول الإسلامية لوجود ممثل فلسطين


في مؤشر جديد على طبيعة موقف حكومة ميلي من القضية الفلسطينية، انسحب الرئيس الأرجنتيني من لقاء كان مقررا مع سفراء 19 دولة إسلامية في بلاده، بعد علمه بوجود ممثل عن فلسطين ضمن الحضور.

 

وبحسب تصريحات نائب الأمين العام للمركز الثقافي الإسلامي في الأرجنتين مارتن سعادة، فقد تم إبلاغ المشاركين في اللحظات الأخيرة بأن ميلي لن يحضر، وأن وزيرة الخارجية ديانا موندينو ستنوب عنه.

 

واعتبر المشاركون أن القرار يحمل رسالة سياسية سلبية تجاه الفلسطينيين، خاصة أن اللقاء كان يمثل فرصة للحوار مع الجالية الإسلامية في الأرجنتين.

 

غياب الإدانة الأرجنتينية للحرب على غزة يثير الانتقادات


ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تبنت حكومة ميلي موقفا داعما لإسرائيل، دون اتخاذ خطوات دبلوماسية بارزة ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية أو المطالبة بإجراءات دولية لوقف الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.

 

وفي الوقت الذي قطعت فيه بعض دول أمريكا اللاتينية علاقاتها مع إسرائيل أو استدعت سفراءها احتجاجا على الحرب، حافظت الأرجنتين على علاقاتها مع تل أبيب، بل عززتها عبر زيارات واتفاقيات جديدة.

 

ويرى منتقدو حكومة ميلي أن هذا الموقف يمثل تراجعا عن مواقف أرجنتينية سابقة كانت أكثر توازنا تجاه القضية الفلسطينية.

 

 محاولة أرجنتينية لتوسيع النفوذ الإسرائيلي بأمريكا اللاتينية


وأعلن ميلي عن مبادرة جديدة أطلق عليها اسم "اتفاقيات إسحاق"، مستوحاة من "اتفاقيات أبراهام" التي رعتها الولايات المتحدة عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

 

وتهدف المبادرة، وفقا لما أعلنته الحكومة الأرجنتينية، إلى توسيع التعاون مع إسرائيل في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة، وتشجيع دول أخرى في أمريكا اللاتينية على الانضمام إليها.

 

وخلال الإعلان عن المبادرة بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد ميلي التزام بلاده بتعزيز الشراكة مع إسرائيل، ووصف العلاقة بين البلدين بأنها استراتيجية.

 

سفارة القدس.. حلم إسرائيلي يسعى ميلي لتحقيقه


يعد نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس أحد أبرز الملفات التي يسعى ميلي لتحقيقها، إذ أعلن أكثر من مرة رغبته في نقل السفارة من تل أبيب إلى المدينة المحتلة.

 

لكن هذه الخطوة واجهت عوائق داخلية، بعدما تدخل مجلس الشيوخ الأرجنتيني وجمد تنفيذ القرار، وسط اعتراضات سياسية وقانونية.

 

ويرى مراقبون أن نقل السفارة سيكون بمثابة اعتراف أرجنتيني بالسيادة الإسرائيلية على القدس، وهو موقف يخالف قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضا محتلة.

 

الجالية اليهودية ونفوذها في المشهد السياسي الأرجنتيني


تضم الأرجنتين واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في أمريكا اللاتينية، ويقدر عدد أفرادها بمئات الآلاف، وهو ما منح العلاقات مع إسرائيل بعدا اجتماعيا وثقافيا إضافيا.

 

كما يضم محيط الرئيس ميلي عددا من الشخصيات ذات العلاقات الوثيقة بالمؤسسات اليهودية والإسرائيلية، وهو ما ساعد في تعزيز التقارب بين بوينس آيرس وتل أبيب.

 

لكن في المقابل، تواجه الأرجنتين أيضا تحديات داخلية مرتبطة بارتفاع حوادث معاداة السامية وخطابات الكراهية، وهو ملف تستخدمه الحكومة الإسرائيلية عادة لتأكيد الحاجة إلى تعزيز التعاون الأمني والسياسي.


ولم يكن الإعلان عن تدشين خط طيران مباشر بين إسرائيل والأرجنتين مجرد مشروع اقتصادي، بل حمل أبعادا سياسية واضحة، فقد احتفى نتنياهو وميلي بالمشروع باعتباره خطوة جديدة في تعزيز العلاقات بين البلدين، خاصة مع الحديث عن تعاون أوسع يشمل الأمن والتكنولوجيا والاستثمار.

ويرى منتقدون أن المشروع يعكس محاولة إسرائيل تعزيز حضورها في أمريكا اللاتينية في وقت تواجه فيه عزلة متزايدة بسبب الحرب على غزة.