فجرت النقابة العامة للعلاج الطبيعي مواجهة جديدة مع المقترحات الخاصة بإنشاء كليات مستقلة للعلاج الوظيفي والأطراف الصناعية، معلنة رفضها القاطع لأي مسارات تعليمية جديدة في هذه التخصصات من دون الرجوع إليها، في أزمة يبدو أن جوهرها يتجاوز الخلاف الأكاديمي حول المناهج والتخصصات إلى صراع مباشر على حدود المهنة وسوق العمل.
فالرسالة التي بعث بها بيان النقابة شديدة الوضوح: العلاج الوظيفي، من وجهة نظرها، ليس مهنة مستقلة يمكن فصلها أكاديميًا وإنشاء كليات خاصة بها، وإنما فرع من فروع العلاج الطبيعي يجب أن يبقى داخل مظلتها. وبينما ترفع النقابة شعار حماية المرضى ومنع «الأدعياء والدخلاء» من اقتحام المجال، فإن تحذيرها من إنشاء كليات مستقلة يكشف في الوقت نفسه عن مخاوف حقيقية من إعادة تقسيم سوق العمل وظهور خريجين جدد ينافسون أعضاءها في تخصص تعتبره جزءًا من اختصاصها الأصيل.
وجاء البيان النقابي ردًا على توصيات ومقترحات لاستحداث مسارات تعليمية منفصلة للعلاج الوظيفي والأطراف الصناعية، وهو ما اعتبرته النقابة تهديدًا لاستقرار الممارسين وحقوق المرضى، مؤكدة أنها ستواجه أي خطوات في هذا الاتجاه استنادًا إلى قانون نقابة العلاج الطبيعي رقم 3 لسنة 1994، الذي تقول إنه منحها دورًا في تطوير المهنة والمشاركة في رسم سياساتها التعليمية.
النقيب العام: لا كليات ولا دبلومات خارج المظلة الرسمية
تصدر الدكتور سامي سعد، النقيب العام للعلاج الطبيعي، المواجهة بإعلان رفضه التام لأي توصيات تصدر من جهات غير مختصة بشأن إنشاء كلية مستقلة للعلاج الوظيفي أو استحداث دبلومات مهنية في هذا المجال.
وشدد سعد على أن أي قرار يتعلق بفتح تخصصات أو مسارات تعليمية جديدة يجب أن يصدر فقط عن الجهات الرسمية المختصة، وفي مقدمتها وزارتا التعليم العالي والبحث العلمي والصحة والسكان، رافضًا أن يجري التعامل مع القضية من خلال مقترحات أو توصيات بعيدة عن المؤسسات المعنية بالمهنة.
لكن موقف النقيب العام لا يتوقف عند الاعتراض على آلية اتخاذ القرار، إذ يتمسك كذلك باعتبار العلاج الوظيفي جزءًا من تخصصات العلاج الطبيعي، وهو ما يجعل إنشاء كلية مستقلة له، من وجهة نظر النقابة، اقتطاعًا لتخصص قائم من داخل المهنة ومنحه لكيان تعليمي ومهني منفصل.
وهنا يظهر بوضوح جانب «الرغيف» في الأزمة. فاستحداث كلية مستقلة لا يعني مجرد إضافة اسم جديد إلى خريطة التعليم الجامعي، وإنما يعني تخريج آلاف الممارسين مستقبلاً في مجال تعمل النقابة حاليًا على إبقائه تحت سيطرة أعضائها. ومع دخول خريجين جدد إلى المستشفيات ومراكز التأهيل وسوق الرعاية الصحية، ستنشأ بالضرورة حدود مهنية جديدة وقد يعاد توزيع فرص العمل بين تخصصات متداخلة.
وتحذر النقابة من أن هذا الفصل قد يفتح الباب لممارسة العلاج من جانب أشخاص لا يمتلكون، في رأيها، التأهيل المتكامل الذي يتلقاه خريجو العلاج الطبيعي، بما يعرض المرضى والمسنين للخطر. غير أن المعركة، إلى جانب بعدها الصحي، تحمل بوضوح بعدًا مهنيًا واقتصاديًا يتعلق بمن يملك الحق في ممارسة هذا التخصص والاستفادة من فرص العمل المرتبطة به.
مجلس النقابة لعمداء الكليات: لا تنساقوا وراء مسارات تنازعنا التخصص
لم يكتف مجلس النقابة برفض المقترحات، بل وجه رسالة مباشرة إلى عمداء كليات العلاج الطبيعي في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية وفروع الجامعات الأجنبية، داعيًا إياهم إلى عدم الانسياق وراء أي تدخلات تتعلق بالشؤون الأكاديمية أو المقترحات الدراسية أو الدبلومات المهنية خارج الإطار الرسمي.
ويكشف هذا التحذير أن النقابة تنظر إلى الملف باعتباره معركة على مستوى التعليم الجامعي نفسه، وتسعى إلى منع ظهور مسارات أكاديمية قد تمنح العلاج الوظيفي استقلالًا تدريجيًا يبدأ بالدبلومات والبرامج وينتهي بكليات منفصلة ونقابة أو كيان مهني مستقل.
ويستند المجلس إلى قانون النقابة رقم 3 لسنة 1994، مؤكدًا أن القانون منح النقابة اختصاصات تتعلق برفع مستوى المهنة وتطويرها واقتراح مشروعات القوانين واللوائح المنظمة لها، إلى جانب المشاركة مع الجهات الحكومية في إعدادها وتعديلها.
كما تقول النقابة إن من بين اختصاصاتها الإسهام في رسم السياسة التعليمية للعلاج الطبيعي، وتطوير المناهج الدراسية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع، ومتابعة وسائل تحسين الأداء المهني وتشجيع البحث العلمي.
ومن هنا، ترفض النقابة أن تتخذ جهات أخرى قرارات ترى أنها تمس خريطة المهنة ومستقبل العاملين فيها من دون مشاركتها. فهي تعتبر نفسها صاحبة المصلحة المباشرة في كل مسار تعليمي قد ينتج خريجين ينافسون أعضاءها أو يمارسون تخصصات تراها واقعة داخل حدود العلاج الطبيعي.
ويزيد من حدة هذا الموقف أن النقابة نفسها مستمرة في تشغيل وتطوير دبلوم مهني في العلاج الوظيفي معتمد لديها، وتقدمه باعتباره المسار التخصصي الشرعي لممارسة المجال تحت مظلتها. وهذه النقطة تحديدًا تضع الأزمة في قلب سؤال المصالح المهنية: لماذا تقبل النقابة تدريس العلاج الوظيفي كدبلوم تابع لها، بينما ترفض إنشاء كليات مستقلة له؟
بالنسبة للنقابة، الإجابة هي حماية التكامل المهني وسلامة المرضى. أما زاوية الأزمة الأخرى، فهي أن استقلال التخصص يعني بالضرورة خروجه من تحت سيطرتها وظهور منافسين جدد في سوق العمل.
«العلاج الوظيفي لنا».. خلاف علمي أم معركة على سوق العمل؟
تعود جذور الصراع إلى التداخل بين العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي. فالعلاج الطبيعي يركز بصورة أساسية على استعادة الوظائف الحركية للجسم وتخفيف الألم وإعادة التأهيل البدني عقب الإصابات أو العمليات، باستخدام التمارين العلاجية والعلاج اليدوي والأجهزة التقنية.
أما العلاج الوظيفي، فيركز على تمكين المريض من ممارسة أنشطته اليومية، مثل الكتابة وتناول الطعام والاعتماد على النفس داخل المنزل أو مكان العمل بعد التعرض لإعاقة جسدية أو عقلية.
ورغم هذا الاختلاف في الوظيفة، تصر نقابة العلاج الطبيعي على أن العلاج الوظيفي في المنظومة الصحية المصرية جزء لا يتجزأ من تخصصات العلاج الطبيعي وأحد فروعه المهنية، وترفض التعامل معه باعتباره مجالًا مستقلاً يستحق كليات منفصلة.
وتقول النقابة إن إنشاء تلك الكليات قد يفتح الباب أمام «الأدعياء والدخلاء» لممارسة دور الطبيب المعالج أو المهني من دون غطاء تأهيلي متكامل يحمي المرضى. وهي حجة تضع سلامة المريض في مقدمة أسباب الرفض، لكنها لا تلغي أن استقلال التخصص ستكون له آثار مباشرة على خريطة الوظائف.
فكل كلية جديدة تعني خريجين جددًا، وكل خريج جديد سيبحث عن موقع داخل المستشفيات ومراكز التأهيل ودور رعاية المسنين والمؤسسات التي تقدم خدمات إعادة التأهيل. وفي سوق يعاني أصلًا من تنافس شديد بين أصحاب المهن الطبية والصحية على الاختصاصات والألقاب وفرص العمل، يصبح الخلاف حول كلية جديدة معركة على «الرغيف» بقدر ما هو خلاف على المناهج.
لهذا يبدو بيان النقابة أقرب إلى إعلان دفاع عن حدود السوق المهنية. فهي لا ترفض العلاج الوظيفي نفسه، بل تحتفظ به داخل منظومتها، وتقدم دبلومًا مهنيًا فيه، لكنها ترفض أن يتحول إلى تخصص مستقل خارج مظلتها.
وبين شعارات حماية المرضى والدفاع عن المهنة، تبقى الأزمة مفتوحة أمام وزارة التعليم العالي: هل تعتبر العلاج الوظيفي فرعًا من العلاج الطبيعي كما تقول النقابة، أم تخصصًا مستقلاً يستحق مسارًا أكاديميًا خاصًا؟ وحتى تحسم الجهات الرسمية هذا السؤال، تواصل نقابة العلاج الطبيعي رفع رسالتها الأوضح: «عض قلبي ولا تعض رغيفي».

