استنكر أهالي قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ مقترحا حكوميا بهدم منزل الزعيم سعد زغلول التاريخي المشيد عام 1904 مما أثار حالة من الغضب الشعبي الواسع ضد سياسات طمس الهوية الوطنية وتدمير المعالم التراثية المصرية.
وتأتي هذه الجريمة في سياق سياسي يستهدف محو الرموز التاريخية التي شكلت وجدان الشعب المصري المطالب بالحرية حيث يعكس قرار الهدم استخفافا متعمدا بتاريخ الحركة الوطنية ورموزها الكبار الذين ناضلوا ضد الاستبداد والاحتلال.
وبالتالي يمثل هذا التوجه السلطوي حلقة جديدة في مسلسل إهمال التراث القومي الذي يتعرض للتخريب الممنهج تحت دعاوى التطوير الزائفة بينما تترك المباني التاريخية عرضة للانهيار المتعمد لتبرير قرارات الإزالة التي تخدم مصالح ضيقة.
كما أن تاريخ إنشاء هذا المنزل يعود إلى مطلع القرن العشرين حيث شيد لاستقبال كبار الشخصيات الرسمية في رحلاتهم النيلية مما يجعله شاهدا حيا على حقبة زمنية هامة من تاريخ مصر المعاصر والنهضة الوطنية.
لزيادة التوضيح فقد تبرع قادة الوفد التاريخيون بهذا المبنى لوزارة التربية والتعليم ليتحول إلى منارة للعلم منذ عام 1953 لخدمة أبناء القرية المحرومين مما يضفي عليه قيمة رمزية وإنسانية تتجاوز مجرد كونه بناء من الحجر.
اغتيال التاريخ تحت أنظار وزارة الآثار
لذلك يؤكد محمد نجيب زغلول حفيد الزعيم أن المنزل يضم أقساما معمارية فريدة مثل السلاملك والحرملك التي تعكس رقي العمارة المصرية القديمة إلا أن الإهمال الحكومي المتعمد حول هذه التحفة الفنية إلى أطلال مهجورة.
ومن ثم شنت السلطات أعمال ترميم مشوهة في السبعينيات أدت إلى إزالة الزخارف الجصية الأصلية واستبدالها بتشطيبات أسمنتية قبيحة أفقدت المبنى قيمته الجمالية في خطوة تعكس جهل الأجهزة التنفيذية بكيفية التعامل مع المواقع الأثرية.
علاوة على ذلك شهد الموقع في عام 2014 إنشاء مبان خدمية ومدرسة جديدة داخل السور التاريخي مما أدى إلى خنق المبنى الأصلي وتعريضه لمخاطر إنشائية جسيمة في ظل صمت مريب من الجهات المعنية بالآثار.
بناء على ذلك يطالب أحفاد الزعيم بتدخل فوري من جهاز التنسيق الحضاري لتقييم الحالة الإنشائية ووضع خطة علمية شاملة لترميم ما تبقى من ملامح البيت التاريخي بدلا من الاستسلام لمقترحات الهدم الجائرة والظالمة.
إضافة إلى ذلك يرى الخبير الأثري أحمد الخولي مدير إدارة آثار فوة أن عدم تسجيل المنزل رسميا حتى الآن يعود لتعقيدات إدارية ومماطلات حكومية في حسم وضع الملكية مما يجعله فريسة سهلة لقرارات الإزالة.
وفضلا عن ذلك يشدد الخولي على أن القيمة التاريخية للمبنى لا ترتبط فقط بالأوراق الرسمية بل بذاكرة الشعب التي تعتبره معلما لا يقبل المساس به مما يفرض على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية لحمايته.
غير أن وزارة التربية والتعليم أبدت استعدادها لتسليم المبنى المهدم معنويا لكن إجراءات نقل التبعية تعثرت في دهاليز البيروقراطية الحكومية التي تقتل كل محاولة لإنقاذ التراث المصري من الضياع والاندثار تحت وطأة الإهمال.
تبعا لذلك تبرز الحاجة الملحة لسرعة التحرك الشعبي والحقوقي لوقف هذا التغول السلطوي على معالم السيادة الوطنية خاصة وأن المنزل يمثل مسقط رأس قائد ثورة 1919 التي علمت العالم معنى النضال من أجل الاستقلال.
وحيث إن الروايات التاريخية تربط المنزل بالخديوي عباس حلمي الثاني فإن الحفاظ عليه يعد واجبا قوميا لتوثيق التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر في تلك الفترة الحرجة من تاريخها الطويل والمشرف جدا.
نتيجة لذلك يتصاعد الغضب بين الباحثين والمؤرخين الذين يرون في محاولة هدم منزل إبيانة محاولة متعمدة لتشويه سيرة الزعيم سعد زغلول وتقزيم دوره التاريخي في بناء الدولة المصرية الحديثة القائمة على الدستور والقانون.
صرخة الخبراء ضد التخريب الممنهج للهوية
بالإضافة لما سبق تحذر الدكتورة سهير حواس أستاذة العمارة من خطورة استمرار نهج هدم المباني ذات القيمة التاريخية مؤكدة أن ما يحدث لمنزل سعد زغلول هو جريمة مكتملة الأركان بحق الهوية المعمارية والوطنية المصرية.
وعلى الرغم من المطالبات المتكررة بالترميم إلا أن الحكومة تصر على تجاهل النداءات العلمية وتفضل الحلول السهلة المتمثلة في الإزالة مما يعكس غياب الرؤية الثقافية لدى المسؤولين الذين يديرون ملف التراث بعقلية المقاولين الجشعين.
بالمقابل يرى أهالي قرية إبيانة أن تحويل المنزل إلى مركز ثقافي أو متحف يضم مقتنيات الزعيم هو المسار الصحيح للحفاظ على ذاكرة المكان وتنمية الوعي القومي لدى الأجيال الجديدة بدلا من تحويله إلى ركام.
من ناحية أخرى يكشف الواقع المرير أن أغلب غرف المنزل أصبحت خالية ومهجورة مما يسهل من عملية التداعي الإنشائي المتعمد الذي تتبعه السلطات كذريعة قانونية لاستصدار قرارات الهدم الكلية للمباني التاريخية والأثرية الهامة.
بالمثل فإن تجاهل وزارة الآثار لتسجيل المبنى رغم المطالبات المستمرة منذ سنوات يثير تساؤلات مشروعة حول النوايا الحقيقية تجاه التراث الوطني ومدى تورط جهات رسمية في تسهيل عمليات التخلص من المعالم التاريخية البارزة.
إلى جانب ذلك يمثل سور المنزل الذي يضم المدرسة والمباني الخدمية عائقا أمام أي عملية ترميم جادة مما يتطلب رؤية تخطيطية شاملة تعيد للموقع هيبته التاريخية وتفصل بين النشاط التعليمي وبين الحرم الأثري للمنزل.
تأسيسا على ذلك يجب على المجتمع المدني والمنظمات الدولية المعنية بالتراث التدخل للضغط على الحكومة المصرية لوقف قرارات الهدم وتوفير التمويل اللازم لإعادة إحياء هذا المعلم التاريخي الفريد الذي لا يقدر بأي ثمن.
ذاكرة إبيانة ترفض الاستسلام لمقصلة الإهمال
علاوة على ما ذكر فإن الصمود الشعبي في قرية إبيانة يرسل رسالة واضحة للنظام بأن الرموز الوطنية ليست ملكا للحكومة تتصرف فيها كيفما تشاء بل هي ملك للشعب الذي لن يسمح بمحو تاريخه المجيد.
وفي سياق متصل تبرز أهمية توثيق كافة الانتهاكات التي تتعرض لها المباني التراثية في الأقاليم بعيدا عن أضواء العاصمة حيث تتعرض كنوز معمارية نادرة للإبادة الصامتة في ظل غياب الرقابة الشعبية والإعلامية الحقيقية والنزيهة.
تبعا لهذا فإن الحفاظ على منزل سعد زغلول هو اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لدستورها الذي ينص على حماية الآثار والتراث الثقافي مما يضع المسؤولين أمام مسؤولية تاريخية ستحاسبهم عليها الأجيال القادمة بكل صرامة.
وفي النهاية يظل منزل الزعيم في إبيانة شامخا برمزية صاحبه رغم كل محاولات التشويه والهدم التي يقودها نظام يخشى التاريخ ويحاول استبدال الذاكرة الوطنية بمشاريع خرسانية تفتقر للروح والجمال والانتماء الحقيقي للأرض والوطن.
ختاما للمشهد فإن دماء ثورة 1919 التي انطلقت شرارتها من كفاح سعد زغلول تفرض علينا اليوم خوض معركة جديدة لحماية منزله من معاول الهدم السلطوية دفاعا عن كرامة الوطن وهويته التي لا تقبل المساومة.

