وجّه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي حكومته، مساء 4 يوليو 2026 من مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، إلى تنشيط الحياة الحزبية والاستعداد لانتخابات المحليات، في دعوة أعادت الجدل حول من جمد السياسة طوال 13 عاما.
ويأتي التوجيه بينما تعيش مصر حياة حزبية محاصرة، ومعارضة موزعة بين السجون والمنافي والهامش، بعد إغلاق المجال الذي فتحته ثورة يناير، لتبدو الدعوة الجديدة محاولة من صاحب الفأس للحديث عن إعادة غرس الشجرة.
من قتل السياسة يطلب تنشيطها
بداية، لا يحتاج النظام إلى اكتشاف أن الأحزاب ضعيفة، لأن سلطته نفسها أقصت القوى التي فازت بأول انتخابات حرة بعد الثورة، وحلت أحزابا واعتقلت قياداتها ومنعت أي منافسة حقيقية يمكن أن تهدد احتكار الحكم.
والأوضح، أن السيسي لا يدعو إلى تداول السلطة أو إطلاق حرية التنظيم، بل يستخدم صيغة إدارية باردة تطلب من الحكومة تنشيط الأحزاب، وكأن السياسة مرفق حكومي يحتاج إلى قرار تشغيل لا حق ينتزعه المجتمع.
وفي السياق نفسه، يرى الكاتب الصحفي قطب العربي أن المعارضة المصرية تعاني قيودا تنظيمية وقانونية وتشظيا داخليا، وهي صورة تكشف أن الأزمة ليست نقص حماس حزبي بل بيئة صنعتها سلطة ترفض وجود منافس حقيقي.
كما أن دعوة السلطة إلى إعداد كوادر سياسية تثير سؤالا أكثر قسوة، فمن سيؤهل هؤلاء ولأي دور، وهل المطلوب قادة يراقبون الحكومة ويحاسبونها أم وجوه جديدة تتعلم حدود الحركة داخل المساحة التي ترسمها الأجهزة.
ومن ثم، يبدو أن المقصود بتنشيط الحياة الحزبية قد لا يتجاوز تنشيط أحزاب الموالاة وتوابعها، وتجهيزها لمعركة المحليات المقبلة، خصوصا أن السلطة اعتادت هندسة الاستحقاقات الكبرى عبر قوائم محسوبة ونتائج بلا مفاجآت.
وعلى هذا الأساس، تصبح انتخابات المحليات القادمة فرصة هائلة للسيطرة على عشرات الآلاف من المقاعد المنتشرة في القرى والمدن والمحافظات، بما يسمح ببناء شبكة ولاء سياسية وإدارية أكثر تغلغلا في المجتمع المحلي.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن المجالس المحلية معطلة منذ سنوات طويلة، رغم أهميتها في الرقابة على الخدمات والإنفاق المحلي، وهو تأخير منح البيروقراطية والأجهزة مساحة أوسع بعيدا عن أي مساءلة شعبية منتخبة.
أما أستاذ العلوم السياسية سيف الدين عبد الفتاح، فقد هاجم سابقا هندسة التعديلات التي تمدد الحكم ووصفها بسخرية بأنها تقود إلى حكم مدى الحياة، وهي قراءة تضع دعوة التنشيط داخل بنية تحتكر القرار من القمة.
وبالتالي، لا تكفي انتخابات محلية إذا بقيت قواعد اللعبة نفسها، لأن صندوقا بلا إعلام حر ولا أحزاب قوية ولا ضمانات للمنافسة يتحول إلى إجراء تجميلي يمنح النظام مشهدا انتخابيا دون أن يغير ميزان السلطة.
محليات الموالاة وشبكة السيطرة الجديدة
الأخطر، أن تجربة السنوات الماضية أظهرت كيف جرى صنع أحزاب موالية لتكون ظهيرا سياسيا للرئيس، بينما ضاقت المساحة أمام الأحزاب التي حاولت الاعتراض حتى حين كانت قد شاركت سابقا في دعم السلطة الجديدة.
وعندما اختلفت بعض القوى المدنية مع الحكومة بشأن قضايا كبرى، تعرضت للتضييق والملاحقة، لتفهم الرسالة بوضوح، المسموح هو المشاركة داخل حدود النظام، أما التحول إلى بديل قادر على المنافسة فخط أحمر.
ومن زاوية أخرى، يوضح ممدوح الولي أن انتخابات سابقة شهدت هيمنة واضحة لحزب مستقبل وطن الذي تأسس بعد 2013، بما جعل المنافسة معه محدودة، وهي خبرة تفسر المخاوف من تكرار النموذج في المحليات.
وبناء على ذلك، قد تتحول دعوة تنشيط الأحزاب إلى حملة تعبئة جديدة تسبق توزيع المقاعد، حيث يجري إعداد المرشحين والكوادر والتمويل قبل إعلان قواعد المنافسة، فيما تدخل القوى المستقلة سباقا بدأ الآخرون ترتيبه مبكرا.
إلى جانب ذلك، تكشف لغة التأهيل نفسها عن عقلية الوصاية، فالأحزاب في الأنظمة الديمقراطية تؤهل كوادرها بنفسها، بينما الدولة تضمن الحقوق والقواعد، لكن السلطة المصرية تريد أن تكون المدرب والحكم وصاحب الملعب.
ومع ذلك، تتحمل القوى السياسية بدورها مسؤولية القبول الطويل بدور هامشي، فبعضها اكتفى بالبقاء الآمن داخل المقرات وانتظار مقاعد أو مناصب، بدلا من بناء قاعدة شعبية وبرنامج واضح يطرح نفسه بديلا للحكم.
وفي هذا الإطار، قدم حمزة زوبع في شهاداته عن تجربة حزب الحرية والعدالة مراجعات لأخطاء داخلية رافقت الحكم، لكن بقاء التجربة نفسها يثبت أن السياسة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع قوة مدنية الوصول للسلطة عبر الصندوق.
ولهذا، لم تكن المشكلة مع الإخوان في الخطاب الرسمي حول التطرف وحده، بل في أنهم تحولوا فعليا إلى بديل انتخابي وصل للرئاسة وحاز أغلبية برلمانية، وهو النموذج الذي يخيف أي سلطة تريد منافسين بلا فرصة للفوز.
ومن ناحية مغايرة، تكشف تجربة أحمد طنطاوي حدود المسموح عندما حاول بناء مشروع سياسي ينافس بجدية، إذ واجه أنصاره عراقيل في التوكيلات وملاحقات قضائية، فظهر الفارق بين حزب موجود وحزب يريد الوصول إلى السلطة.
كذلك، تعيد شهادة مراد علي عن أخطاء تجربة الحرية والعدالة النقاش إلى جوهره، فوجود أخطاء سياسية لا يلغي حق القوى المدنية في المنافسة، ولا يمنح الجيش أو الأجهزة حق إغلاق المجال ومنع تكرار التداول.
الأحزاب بين انتظار الفتات وصناعة البديل
وفوق هذا كله، لا يمكن لحياة حزبية أن تنمو في مناخ يخشى فيه المواطن التوقيع على توكيل أو حضور فعالية أو إعلان تأييد مرشح معارض، لأن السياسة تبدأ بالأمان الشخصي قبل المؤتمرات وبرامج إعداد الشباب.
ولذلك، فإن الدعوة إلى تنشيط الأحزاب من داخل مقر عسكري ضخم تحمل مفارقة يصعب تجاهلها، فالمشهد نفسه يختصر دولة تتحدث عن السياسة المدنية من قلب استعراض للقوة والمؤسسة التي خرج منها الرئيس الحاكم.
أما قطب العربي، فيربط ضعف المعارضة أيضا بالتشظي وغياب المظلة الوطنية الجامعة، وهو نقد لا يعفي النظام، لكنه يضع الأحزاب أمام مسؤولية بناء تحالفات حقيقية قادرة على تجاوز الصراعات الصغيرة وانتزاع مساحة عامة.
ومن هنا، تحتاج القوى الليبرالية واليسارية والمحافظة إلى الاندماج في كيانات أو تحالفات مفهومة، وبناء كوادر وبرامج وقواعد اجتماعية، لأن البديل لا يصنعه تصريح رئاسي ولا تمنحه السلطة لمن ينتظر رضاها.
في النهاية، تكشف دعوة السيسي لتنشيط الحياة الحزبية تناقضا فادحا بين الكلام والسجل، فالرجل الذي حكم بعد إسقاط أول تجربة ديمقراطية يطلب اليوم من حكومته إعادة حركة سياسية جرى تجفيف جذورها طوال سنوات.
وأخيرا، لن تثبت جدية التوجيهات بعدد الدورات والكوادر ولا بموعد انتخابات المحليات، بل بحرية الأحزاب في التنظيم والمنافسة والوصول إلى الحكم، وما عدا ذلك يبقى ديكورا جديدا فوق جدار سياسي مغلق.

