حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تقترب من كارثة إنسانية وحقوقية خطيرة، مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد الهجمات وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تحول المدينة إلى بؤرة جديدة للعنف في السودان.

 

وجاء التحذير خلال جلسة طارئة عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف لمناقشة التطورات المتسارعة في السودان، حيث شدد تورك على أن المؤشرات القادمة من مدينة الأبيض واضحة وتنذر بتدهور أكبر، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك السريع لمنع وقوع مزيد من الانتهاكات وحماية المدنيين.

 

وتكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة، وهو ما جعلها خلال الفترة الأخيرة في قلب الصراع المتصاعد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بالتزامن مع استمرار المعارك في محيطها وتزايد الهجمات بالطائرات المسيرة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على السكان المدنيين الذين يعيشون منذ أشهر في ظروف بالغة الصعوبة.

 

ووفق ما عرضه مفوض حقوق الإنسان، يعيش سكان المدينة أوضاعًا أشبه بالحصار منذ نحو 18 شهرًا، وسط نقص حاد في المياه الصالحة للشرب وتراجع الخدمات الأساسية، بينما تتزايد مخاطر التعرض للهجمات مع استمرار الصراع حول المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

 

18 شهرًا من الحصار ونقص المياه والخدمات الأساسية

 

تعيش مدينة الأبيض منذ نحو عام ونصف تحت ضغوط متواصلة فرضتها الحرب والعمليات العسكرية المحيطة بها، في وقت يعاني السكان من تراجع حاد في الخدمات الأساسية وصعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب.

 

ووفق تحذيرات مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فإن أوضاع المدنيين في المدينة باتت شديدة القسوة، بعدما امتدت الأزمة لفترة طويلة دون تحسن واضح، وأصبحت الحياة اليومية مرتبطة بمخاوف مستمرة من القتال والهجمات ونقص الاحتياجات الضرورية.

 

ويزيد استمرار المعارك في محيط الأبيض من صعوبة الوضع، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للمدينة ودخولها ضمن مناطق التنافس العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

 

وتحولت المدينة مع الوقت إلى منطقة تتعرض لضغوط متزايدة، ليس فقط بسبب المواجهات المباشرة، وإنما أيضًا نتيجة استمرار الهجمات بالطائرات المسيرة، وهو ما ضاعف المخاطر التي يتعرض لها السكان المدنيون.

 

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الأمني، إذ أصبح النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب أحد أبرز مظاهر التدهور الإنساني، إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان بشكل يومي.

 

وتثير هذه الظروف مخاوف من أن يؤدي استمرار القتال إلى مزيد من التدهور، خاصة مع صعوبة وصول المساعدات الإنسانية واستمرار الضغط على السكان.

 

وحذر تورك من أن المؤشرات الحالية لا تحتمل التأويل، وأن ما يجري في الأبيض يكشف عن خطر حقيقي يتمثل في تشكل كارثة جديدة في مجال حقوق الإنسان.

 

ويعكس هذا التحذير حجم القلق من أن تتحول المدينة إلى ساحة أوسع للقتال، بما يفاقم أوضاع المدنيين الذين تحملوا بالفعل آثار الصراع لفترة طويلة.

 

هجمات المسيرات توقع عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين

 

وكشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن مفوضيته وثقت مقتل ما لا يقل عن 45 مدنيًا وإصابة 41 آخرين نتيجة 15 هجومًا بطائرات مسيرة استهدفت مدينة الأبيض ومناطق قريبة منها.

 

ووقعت هذه الهجمات خلال الفترة من السادس إلى الثامن والعشرين من يونيو، وهو ما يوضح حجم التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة.

 

وتكشف حصيلة القتلى والجرحى عن حجم الخطر الذي يتعرض له المدنيون مع تزايد استخدام الطائرات المسيرة واستمرار العمليات العسكرية في محيط المدينة.

 

وتضاعف هذه الهجمات من حالة الخوف بين السكان، خاصة في ظل صعوبة توقع أماكن الضربات واستمرار القتال حول المناطق الاستراتيجية.

 

ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المدينة أصلًا نقصًا في الخدمات الأساسية، ما يزيد من صعوبة التعامل مع الإصابات والاحتياجات الإنسانية الناتجة عن الهجمات.

 

كما يؤدي اتساع نطاق القتال إلى زيادة الضغط على المدنيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين تدهور الأوضاع المعيشية والخطر المباشر الناتج عن العمليات العسكرية.

 

وحذر تورك من أن استمرار هذه الهجمات يهدد بتحويل الأبيض إلى بؤرة جديدة للعنف، خاصة إذا استمرت الأطراف المتحاربة في تصعيد عملياتها.

 

وتعكس الأرقام التي وثقتها المفوضية صورة مقلقة عن وضع المدنيين، حيث لم تعد المدينة تواجه فقط آثار الحرب بصورة غير مباشرة، بل أصبحت مناطقها ومحيطها عرضة لهجمات أوقعت عشرات الضحايا خلال أسابيع قليلة.

 

ويعني استمرار هذه الوتيرة أن أعداد الضحايا قد ترتفع بصورة أكبر، خصوصًا في ظل بقاء المدنيين داخل المدينة واستمرار ضعف الخدمات.

 

حشود عسكرية ومخاوف من فظائع جديدة ودعوات لتحرك دولي عاجل

 

عُقدت الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان بناءً على طلب من بريطانيا، بعد تحذيرات من احتمال وقوع فظائع واسعة النطاق في مدينة الأبيض.

 

وجاءت هذه المخاوف في أعقاب تقارير تحدثت عن قيام قوات الدعم السريع وحلفائها بحشد قوات كبيرة حول المدينة، ما أثار مخاوف من تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى زيادة معاناة المدنيين.

 

وتثير هذه الحشود القلق من دخول الأبيض مرحلة أكثر خطورة، خاصة في ظل استمرار المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للسيطرة على المناطق الاستراتيجية.

 

ومع تصاعد التحركات العسكرية، تزداد المخاوف من أن تتحول المدينة إلى ساحة مواجهة واسعة، بما قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الضحايا وتفاقم أزمة المياه والخدمات والمساعدات الإنسانية.

 

وطالب فولكر تورك المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لوقف التصعيد ومنع انزلاق المدينة إلى كارثة أكبر.

 

وشدد على ضرورة العمل على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان الذين يواجهون ظروفًا شديدة الصعوبة.

 

كما دعا إلى منع وقوع المزيد من الانتهاكات في ظل تزايد المؤشرات التي تدل على خطورة الوضع.

 

وتضع هذه التحذيرات مدينة الأبيض في صدارة المخاوف الدولية المرتبطة بتطورات الحرب في السودان، خاصة أن استمرار القتال حولها قد يؤدي إلى اتساع دائرة العنف.

 

وفي ظل استمرار الحصار ونقص المياه والخدمات وتكرار الهجمات الجوية، تبدو المدينة أمام مرحلة شديدة الحساسية، بينما يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضًا للخطر.

 

وتؤكد تحذيرات الأمم المتحدة أن الوقت أصبح عاملًا حاسمًا، وأن التأخر في وقف التصعيد قد يسمح بتدهور الوضع بدرجة أكبر.

 

وبينما تستمر التحركات العسكرية والحشود حول المدينة، يواجه سكان الأبيض احتمال تحول الأزمة الحالية إلى كارثة إنسانية وحقوقية واسعة، ما يجعل حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات ووقف الهجمات مطالب عاجلة لا تحتمل مزيدًا من التأخير.