تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا في تنفيذ مشروعات عمرانية واستثمارية ضخمة، تبررها الحكومة بأنها جزء من استراتيجية لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز مكانة البلاد كمركز إقليمي للأعمال. ويأتي الإعلان عن تسريع إنشاء برج "فوربس" في العاصمة الإدارية الجديدة باستثمارات تصل إلى مليار دولار ضمن هذا التوجه.
غير أن المشروع أثار في المقابل تساؤلات وانتقادات بشأن مدى توافق أولويات الإنفاق والاستثمار مع التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون، في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة.
ويرى منتقدون أن المشروعات العقارية الفاخرة تحتاج إلى شفافية أكبر بشأن عوائدها الاقتصادية المتوقعة، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين بشكل مباشر.
أولويات الاستثمار بين الأبراج والاحتياجات اليومية
تقول الحكومة إن المشروعات الكبرى تستهدف جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتوفير فرص عمل، وتعزيز مكانة العاصمة الإدارية كمركز للأعمال والاستثمار.
لكن منتقدين يرون أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار، وإنما بأولوية توجيه الجهود والموارد نحو مشروعات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
ففي وقت تواجه فيه الأسر المصرية ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يتساءل معارضون: هل يمثل إنشاء برج جديد أولوية اقتصادية مقارنة بالاستثمار في قطاعات مثل الصناعة، والزراعة، والتعليم، والصحة، أو دعم المشروعات الصغيرة التي تخلق فرص عمل واسعة؟
كما يلفت المنتقدون إلى أن نجاح أي مشروع ضخم لا يقاس بحجمه أو تكلفته فقط، وإنما بقدرته على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتحسين مستوى معيشة المواطنين على المدى الطويل.
الشفافية وجدوى المشروعات الكبرى
يثير الإعلان عن المشروع أيضًا نقاشًا حول مستوى المعلومات المتاحة للرأي العام بشأن المشروعات الاستثمارية الكبرى. فمع ضخامة الاستثمارات المعلنة، يرى منتقدون أن نشر مزيد من البيانات حول العوائد المتوقعة، وحجم الوظائف الدائمة التي سيوفرها المشروع، وتأثيره على الاقتصاد، من شأنه أن يعزز الثقة ويتيح تقييمًا موضوعيًا لجدواه.
ويؤكد خبراء اقتصاد أن المشروعات الكبرى تحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس نجاحها، مثل حجم الاستثمارات التي ستجذبها، والعائد الضريبي المتوقع، وعدد الشركات التي ستستقر فيها، ومدى مساهمتها في زيادة الناتج المحلي الإجمالي.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو المشروع أن النقاش لا يدور حول رفض الاستثمار في حد ذاته، وإنما حول ضرورة توافر معلومات كافية تمكن المواطنين من تقييم ما إذا كانت هذه المشروعات تحقق أفضل استخدام ممكن للموارد المتاحة.
جدل مستمر حول العائد الاجتماعي
يرى مؤيدو المشروع أنه يمثل استثمارًا طويل الأجل قد يسهم في جذب شركات عالمية وخلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد، وأن نجاح العاصمة الإدارية في استقطاب استثمارات جديدة قد ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المصري بصورة عامة.
في المقابل، يرى منتقدون أن العائد الاجتماعي للمشروع سيظل محل تساؤل ما لم تظهر آثاره بشكل ملموس على حياة المواطنين، سواء من خلال فرص عمل مستقرة، أو زيادة الدخول، أو تحسين الخدمات العامة.
ويؤكد هؤلاء أن المواطن يهتم في المقام الأول بقدرته على مواجهة أعباء الحياة اليومية، وأن أي مشروع اقتصادي كبير يجب أن يوضح كيف سينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا الهدف.
وبين رؤية تعتبر الأبراج والمشروعات الضخمة وسيلة لجذب الاستثمار وتحفيز النمو، وأخرى ترى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتخفيف الضغوط المعيشية وتعزيز القطاعات الإنتاجية والخدمية، يبقى الجدل قائمًا حول أفضل السبل لتحقيق التنمية.
وفي النهاية، فإن نجاح أي مشروع لا يُقاس بحجم الإنفاق عليه أو ارتفاعه في الأفق، بل بقدرته على تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي يشعر به المواطن في حياته اليومية، وبما يرسخ الثقة في أن التنمية تعود بالنفع على مختلف فئات المجتمع.

