دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التوتر السياسي والعسكري، بعد تضارب واضح في التصريحات بشأن عقد لقاء مباشر بين الجانبين في العاصمة القطرية الدوحة، في وقت يتعرض فيه اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في يونيو الماضي لاختبار حقيقي، وسط استمرار العمليات العسكرية المحدودة، وتصاعد المخاوف من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

 

وبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن طهران طلبت عقد اجتماع مع واشنطن في قطر، سارعت إيران إلى نفي تلك التصريحات بشكل قاطع، مؤكدة أنها لا تنوي الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الأمريكي خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي يعكس حجم التباعد بين الطرفين، رغم الاتفاق الإطاري الذي أوقف حرباً استمرت أربعة أشهر.

 

ترامب يعلن اجتماعاً في الدوحة


أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بعدما أعلن، عبر منصة "تروث سوشال"، أن إيران طلبت عقد اجتماع مع الولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة، مؤكداً أن اللقاء سيعقد الثلاثاء، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على احتمال استئناف الاتصالات السياسية بين البلدين.

 

وأعقب ذلك إعلان من البيت الأبيض، حيث أوضحت المتحدثة باسم الرئاسة الأمريكية كارولين ليفيت أن الإدارة الأمريكية سترسل وفداً رفيع المستوى إلى قطر، يضم مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، للمشاركة في اجتماعات وصفتها بأنها "رفيعة المستوى".

 

كما أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن ويتكوف كان بالفعل في طريقه إلى الدوحة، ما عزز الانطباع بوجود ترتيبات دبلوماسية جارية خلف الكواليس.

 

طهران: لا مفاوضات مباشرة مع واشنطن


في المقابل، نفت إيران بشكل قاطع صحة الرواية الأمريكية، مؤكدة أن زيارة وفدها إلى قطر ذات طبيعة فنية ولا تتضمن أي لقاء مع المسؤولين الأمريكيين.

 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الوفد الإيراني سيتوجه إلى الدوحة ضمن برنامج عمل تقني لا يرتبط بالوفد الأمريكي، مشدداً على أنه "لا توجد أي اجتماعات تفاوضية مقررة مع الولايات المتحدة على أي مستوى خلال الأيام المقبلة".

 

وأضاف أن طهران لم تدخل حتى الآن مرحلة التفاوض حول اتفاق نهائي، معتبراً أن الحديث عن لقاءات مباشرة لا يستند إلى أي أساس.

 

ويعكس هذا التضارب استمرار أزمة الثقة بين البلدين، حتى بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته وساطات إقليمية ودولية.

 

اتفاق وقف النار يواجه أول اختبار


الخلاف بشأن اجتماع الدوحة يأتي في وقت يمر فيه اتفاق 17 يونيو بمرحلة شديدة الحساسية، إذ يواجه أول اختبار عملي منذ دخوله حيز التنفيذ.

 

وكان الاتفاق قد أنهى مواجهة عسكرية استمرت أربعة أشهر، وأثرت بصورة كبيرة على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، خاصة مع التهديدات المتكررة التي طالت مضيق هرمز.

 

ووفقاً لبنود التفاهم، منح الطرفان نفسيهما مهلة لا تقل عن ستين يوماً لتنفيذ مذكرة تفاهم تضم أربعة عشر بنداً، تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، ومناقشة الملف النووي الإيراني، والتمهيد لاتفاق سلام دائم.

 

إلا أن التنفيذ شهد بطئاً واضحاً، في ظل تبادل الاتهامات بين الجانبين بخرق الالتزامات وعدم احترام بنود الاتفاق.

 

مضيق هرمز.. العقدة الأخطر


يبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في التفاهم الأمريكي الإيراني، باعتباره شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز العالمية.

 

وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التوترات بصورة لافتة، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات استهدفت عشرة مواقع عسكرية إيرانية، قالت إنها جاءت رداً على ما وصفته باستمرار التهديدات الإيرانية للملاحة التجارية.

 

في المقابل، أكدت طهران أنها ردت باستهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، في تصعيد يهدد بإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية.

 

لجنة مشتركة لإدارة المضيق


وفي محاولة لتنفيذ أحد أهم بنود الاتفاق، أعلنت إيران عقد أول اجتماع للجنة هرمز المشتركة مع سلطنة عمان في العاصمة مسقط.

 

وتهدف اللجنة إلى وضع آلية لإدارة المضيق وتنظيم الملاحة البحرية، خاصة أن الممر كان ينقل قبل اندلاع الحرب نحو خمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

 

وتشير بنود مذكرة التفاهم إلى أن إيران ستشارك في تحديد مستقبل إدارة المضيق بالتنسيق مع سلطنة عمان ودول الخليج، مع الالتزام بالقانون الدولي.

 

غير أن طهران شددت على أن أي سفينة لا تلتزم بالمسارات التي تراها مناسبة بالقرب من سواحلها قد تتسبب في تصعيد جديد، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى شركات النقل البحري.

 

خلاف جديد حول نزع الألغام


ولم تتوقف الخلافات عند إدارة الملاحة فقط، بل امتدت إلى ملف إزالة الألغام البحرية، فقد أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن عمليات نزع الألغام يجب أن تنفذها إيران وحدها، رافضاً أي مشاركة أجنبية في هذه المهمة.

 

وجاء الموقف الإيراني عقب إعلان فرنسي عماني عن تنفيذ عمليات مشتركة لإزالة الألغام، وهو ما اعتبرته طهران خطوة قد تؤدي إلى تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.

تراجع حركة السفن في هرمز

 

التوترات الأمنية انعكست على حركة الملاحة في المضيق

 

فقد أظهرت بيانات شركات تتبع السفن انخفاضاً ملحوظاً في عدد السفن العابرة، بعد تعرض إحدى السفن لأضرار أثناء مرورها بالممر البحري.

 

وتراجع عدد سفن البضائع التي عبرت المضيق من 29 سفينة يوم السبت إلى 12 سفينة فقط يوم الأحد، فيما فضلت شركات شحن عديدة تجنب المسارات الحساسة.

 

كما كشفت بيانات الملاحة أن عشرات السفن أوقفت بث مواقعها بشكل علني، في خطوة تعكس المخاوف الأمنية المتزايدة.

 

وفي الوقت نفسه، أعلن الحرس الثوري الإيراني تشديد الرقابة على حركة السفن داخل المضيق، محذراً من أن أي مخالفة للإجراءات الجديدة ستقابل برد أكثر صرامة مما كان عليه في السابق.

 

تداعيات تمتد إلى لبنان


التطورات بين واشنطن وطهران لم تتوقف عند الخليج، بل امتدت آثارها إلى الساحة اللبنانية، فقد أفادت وسائل إعلام لبنانية بتنفيذ غارة إسرائيلية جديدة على جنوب لبنان، رغم الاتفاق الإطاري الموقع بين بيروت وتل أبيب الأسبوع الماضي برعاية أمريكية.

 

ويهدف الاتفاق إلى التمهيد لتسوية أوسع تتضمن نزع سلاح حزب الله، مقابل ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود.

 

إلا أن الحزب أعلن رفضه الصريح لهذه التفاهمات، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل وجودها العسكري في جنوب لبنان إلى حين تنفيذ بنود الاتفاق بصورة كاملة.