تستعد حكومة مصطفى مدبولي، عبر وزارتي الإسكان والاتصالات، لإطلاق المرحلة الأولى من منصة تصدير العقار المصري في العلمين الجديدة، بهدف جذب مشترين أجانب ورفع حصيلة النقد الأجنبي إلى ملياري دولار خلال العام الجاري.

 

في المقابل، تكشف الخطة وجها قاسيا لأزمة الحكم في مصر، إذ لا تبحث السلطة عن سكن عادل للمواطن، بل عن مشتر أجنبي يدفع بالدولار داخل سوق يعاني الغلاء والركود والفجوة الطبقية.

 

دولار سريع فوق حق السكن

 

منذ البداية، قدم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تملك الأجانب للعقارات باعتباره أمرا غير سلبي، قائلا إن المشتري يتملك عقارا لا أرضا، وإن دولا كبرى تعتمد على هذا المسار اقتصاديا.

 

وبالتالي، تحاول الحكومة تحويل العقار من حق اجتماعي إلى سلعة تصديرية، في وقت يعاني فيه المواطن المصري من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى سكن مناسب.

 

كما أن الإعلان عن منصة رقمية للتسويق والتوثيق لا يلغي جوهر الأزمة، لأن التكنولوجيا هنا لا تحل مشكلة السكن، بل تسرع بيع الوحدات لمن يملك العملة الصعبة خارج البلاد.

 

لذلك، تبدو البداية من العلمين الجديدة ذات دلالة سياسية واقتصادية، فالمدينة الساحلية صارت نموذجا لمشروعات الفئات القادرة، بينما تبقى أولوية محدودي الدخل خارج واجهة التسويق الرسمية.

 

ومن ثم، لا يمكن قراءة منصة تصدير العقار بعيدا عن أزمة الدولار، لأن الدولة تبحث عن تدفقات عاجلة، بعدما صار الاقتصاد معتمدا على البيع والتحويلات والقروض بدلا من الإنتاج الحقيقي.

 

غير أن تحويل السوق العقارية إلى بوابة للعملة الصعبة قد يخلق مكسبا قصير الأجل، لكنه يترك سؤالا أخطر حول أثر الطلب الأجنبي على الأسعار، والمضاربة، وتجميد الوحدات دون استخدام.

 

علاوة على ذلك، أعلنت الحكومة أن حصيلة تصدير العقار بلغت 1.6 مليار دولار العام الماضي، وتستهدف رفعها إلى ملياري دولار، بما يكشف أن الملف أصبح بندا ماليا لا سياسة إسكان.

 

سوق راكد يبحث عن مشتر أجنبي

 

بناء على ذلك، يرى النائب عاطف المغاوري أن التوسع في تملك الأجانب يجب أن يراعي أولويات الدولة واحتياجات المجتمع، وأن جذب الاستثمار ينبغي أن يركز على أنشطة إنتاجية توفر فرص عمل.

 

ثم إن المغاوري ربط إعادة طرح الملف بحالة الركود في السوق العقارية، ورغبة المطورين في فتح أسواق جديدة بعد توسعهم في مشروعات تتجاوز القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.

 

في هذا السياق، لا تبدو منصة العقار حلا للمواطن، بل طوق نجاة للمطورين والسوق الفاخر، لأن المشكلة ليست نقص وحدات معروضة، بل غياب القدرة على الشراء لدى المصريين.

 

كذلك، يؤكد المغاوري أن الأولوية يجب أن تبقى لتوفير السكن المناسب للمواطن، بالتوازي مع جذب المشترين الأجانب، وهي ملاحظة تضرب قلب الخطاب الحكومي الذي يختزل الأزمة في الدولار.

 

ومن ناحية أخرى، ترى عبير عصام، عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين، أن المدن الجديدة مثل العاصمة الإدارية والعلمين والساحل الشمالي تفتح فرصة لتسويق العقار خارجيا وجذب النقد الأجنبي.

 

لكن هذا الرأي الداعم لا يلغي المخاطر الاجتماعية، لأن توسع البيع للأجانب داخل مناطق متميزة قد يعمق الفصل بين مدن للأغنياء والدولار، وأحياء قديمة يطاردها الزحام وضعف الخدمات.

 

فضلا عن ذلك، تقول عصام إن تملك الأجانب يخضع لضوابط قانونية ومالية وأمنية، غير أن الضوابط لا تكفي وحدها إذا لم تكن هناك شفافية كاملة حول المواقع والأسعار وحجم الملكيات.

 

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس هل يملك الأجنبي وحدة أم لا، بل من يربح من هذا التوسع، ومن يدفع ثمن ارتفاع الأسعار إذا تحول العقار إلى مخزن دولاري عالمي.

 

مضاربة وأسعار وأمن اقتصادي

 

في المقابل، يرى محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين، أن التوسع في تملك الأجانب يجذب النقد الأجنبي والاستثمارات المباشرة وينشط قطاع التطوير العقاري ويخلق فرص عمل ويدعم المشروعات السياحية والمتميزة.

 

مع ذلك، حذر البستاني من تحديات المضاربة وارتفاع الأسعار وتجميد بعض الوحدات دون استخدامها، وهي مخاطر لا يمكن تجاهلها في سوق يعاني أصلا من فجوة بين العرض والقدرة الشرائية.

 

إضافة إلى ذلك، اقترح البستاني إلزام المشترين الأجانب بالسداد عبر تحويلات مصرفية من الخارج، حتى لا يتحول البيع إلى إعادة تدوير أموال محلية أو باب جديد للتلاعب داخل السوق.

 

وبحسب القانون رقم 230 لسنة 1996، يخضع تملك غير المصريين للعقارات لشروط قانونية محددة، لكن التوسع الأخير وإلغاء القيود السابقة يفرضان مراجعة أوسع لتأثيرات الملكية الأجنبية على السوق.

 

غير أن الأمن القومي لا يقاس فقط بالموافقات الأمنية، بل بتأثير الملكية الأجنبية على المدن الساحلية والمناطق الجديدة، وعلى قدرة الدولة على توجيه العمران لخدمة المجتمع لا المضاربة.

 

كما أن ربط تصدير العقار بالملاحق التجارية والمعارض الخارجية وحملات الترويج السياحي يكشف انتقال الدولة من إدارة السكن كحق إلى تسويقه كمنتج فاخر لمن يملك الدولار.

 

وفي النهاية، تحتاج مصر إلى سياسة إسكان واضحة قبل منصة البيع، تحدد نصيب المواطن، وحدود تملك الأجانب، وآليات منع المضاربة، وضمان دخول العملة من الخارج لا عبر صفقات شكلية.

 

أخيرا، لا ينبغي أن يتحول الدولار إلى مبرر لبيع العمران بلا ضوابط اجتماعية، لأن الدولة التي تبيع وحداتها للأجانب بينما يعجز مواطنها عن السكن لا تصدر عقارا فقط، بل تصدر أزمتها.