كشفت العربية بزنس، عبر مسح لمدارس خاصة في القاهرة والجيزة، أن بعض المدارس أخطرت أولياء الأمور بزيادات إجمالية تصل إلى 50% للعام 2026-2027، رغم عدم صدور قرار رسمي، فتصاعد غضب الأسر.
سياسيًا واجتماعيًا، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف على مصروفات، بل فضيحة سوق تعليمي تُرك للأرباح، حيث يدفع الآباء ثمن انسحاب الدولة وضعف الرقابة، بينما تتحول المدرسة من حق إلى فاتورة خانقة.
زيادات قبل القرار ورسوم بلا سقف
بداية، لم تعد الزيادة السنوية الرسمية هي الخطر الوحيد، لأن بعض المدارس أدخلت رسومًا جانبية تحت أسماء الأنشطة والتطوير التكنولوجي والخدمات التعليمية والنقل، بما يرفع التكلفة الفعلية فوق الحدود المعلنة.
وبالتالي، تتحول النسب الوزارية من أداة ضبط إلى واجهة شكلية، فولي الأمر يسمع عن سقف بين 6% و25%، ثم يفاجأ بإيصال نهائي يقترب من نصف مصروفات العام الماضي.
كما أن وزارة التربية والتعليم لم تصدر حتى الآن قرار الزيادات الجديدة للعام 2026-2027، بحسب التقرير، لكن بعض المدارس سارعت بإرسال إخطارات إلكترونية تطالب الأسر بالسداد وفق زيادات جديدة.
لزيادة العبء، جاءت الزيادات في الباصات والزي والأنشطة والتكنولوجيا كأنها مصروفات اختيارية، لكنها عمليًا تصبح إجبارية على كثير من الأسر التي لا تستطيع فصل الطالب عن منظومة المدرسة.
لذلك، يصف أولياء الأمور ما يحدث بأنه التفاف على الرقابة، لأن المدرسة قد تلتزم ظاهريًا بنسبة المصروفات الدراسية، ثم تعوض الفارق عبر بنود إضافية يصعب رفضها أو الطعن فيها.
ومن ثم، لا يمكن اعتبار الزيادة مجرد نتيجة للتضخم، بل نموذجًا لاستغلال حاجة الأسر إلى تعليم أفضل من الحكومي، في بلد صار التعليم الخاص فيه ملجأ اضطراريًا لا رفاهية طبقية فقط.
غير أن بدوي علام، رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، يؤكد أن المدارس الخاصة تخضع لضوابط وزارة التربية والتعليم، ولا يحق لها تطبيق زيادات على المصروفات إلا بكتاب دوري رسمي.
المدرسة كشركة والأسرة كزبون أسير
علاوة على ذلك، تكشف تصريحات مسؤولي بعض المدارس منطقًا اقتصاديًا صريحًا، فهم يتحدثون عن الصيانة والتكنولوجيا والملاعب والأجور باعتبارها أعباء تشغيل، لكنهم يقرون ضمنيًا بأن المدرسة مؤسسة استثمارية رابحة.
بناءً على ذلك، لم تعد العلاقة بين المدرسة والأسرة علاقة تربوية، بل عقد إذعان، حيث يملك صاحب المدرسة تحديد البنود، بينما يجد ولي الأمر نفسه محاصرًا بين الدفع أو نقل ابنه.
في المقابل، تقول عفاف الراوي، وهي مشرفة إدارية بإحدى مدارس الجيزة، إن الزيادات ترتبط بتكاليف الصيانة وتحديث الفصول وغرف الأنشطة والملاعب، مع الاعتراف بأن المدارس تسعى لتحقيق عوائد للمساهمين.
ومن ناحية أخرى، يبرر حسن عبد العزيز، مسؤول بإحدى مدارس القاهرة الجديدة، توزيع الزيادة على بنود الأنشطة والتكنولوجيا والخدمات باعتباره شفافية، لكن ولي الأمر يرى في التفصيل توسيعًا لباب التحصيل.
كذلك، يرى الخبير التربوي كمال مغيث، في مواقف سابقة، أن تفاوت المصروفات نتاج لتقسيم التعليم في مصر بين تعليم للأغنياء وأصحاب النفوذ وتعليم متدهور لبقية المجتمع.
إلا أن هذه الرؤية تبدو أكثر وضوحًا اليوم، لأن المدرسة الخاصة لم تعد تبيع تعليمًا فقط، بل تبيع نجاة اجتماعية من انهيار المدرسة الحكومية، ثم ترفع ثمن النجاة عامًا بعد عام.
ثم إن ارتفاع التكلفة لا يقابله دائمًا تحسن حقيقي في جودة التعليم أو أجور المعلمين أو كثافة الفصول، بل يتحول أحيانًا إلى ديكور وتكنولوجيا شكلية ورسوم لا يعرف الآباء تفاصيلها.
وفوق ذلك، تعاني الأسر من تضخم الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج، ثم تأتي المدرسة لتأخذ نصيبها من الجيوب نفسها، كأن دخل الأسرة قابل للتمدد بينما الواقع يدفعها إلى الديون.
رقابة غائبة وتعليم يتحول إلى سوق
على صعيد الرقابة، لا تكفي الإحالة إلى الإدارات التعليمية إذا كان ولي الأمر لا يعرف المصروفات المعتمدة، ولا يملك آلية سريعة تلزم المدرسة برد الزيادة غير القانونية فورًا.
بينما تؤكد عبير أحمد، مؤسسة اتحاد أمهات مصر للنهوض بالتعليم، في مواقف سابقة، أن زيادات المدارس والكتب والخدمات ترهق الأسر، وتحتاج إلى مراجعة عادلة تراعي الظروف الاقتصادية.
أما خدمة النقل المدرسي، التي يصفها البعض بأنها اختيارية، فهي في الواقع ضرورة لكثير من الأسر داخل المدن الجديدة والمناطق البعيدة، ما يجعل خروجها من ضوابط المصروفات بابًا خطيرًا للزيادة.
فضلاً عن ذلك، فإن التذرع بعقود شركات النقل لا يعفي المدرسة من المسؤولية، لأن ولي الأمر لا يتفاوض مع شركة الباص منفردًا، بل يدفع ضمن منظومة تفرضها المدرسة وتتحكم فيها.
ومع ذلك، تتحدث الوزارة عادة عن الشرائح والنسب، بينما لا يظهر ردع كافٍ للرسوم الجانبية، ولا تُنشر قوائم واضحة ومحدثة لكل مدرسة بما هو معتمد وما هو مخالف.
من هنا، يصبح الحل العادل في إعلان المصروفات الرسمية لكل مدرسة على موقع الوزارة والمديرية التعليمية، وإلزام المدارس بإيصال موحد، ومنع أي بند غير معتمد من التحصيل أو التهديد.
كذلك، يجب فتح خط شكاوى سريع وملزم لأولياء الأمور، لا مجرد بوابة شكلية، مع عقوبات مالية وإدارية على المدارس التي تسبق قرار الوزارة أو تفرض زيادات مقنعة.
في النهاية، تكشف زيادات 35% إلى 50% أن التعليم الخاص في مصر خرج من كونه خدمة مساندة إلى سوق مفتوحة، تتغذى على خوف الأسر من التعليم الحكومي المنهك.
وبذلك، لا يدفع الآباء مصروفات مدرسة فقط، بل يدفعون فاتورة انسحاب الدولة من واجبها، وفاتورة رقابة ضعيفة، وفاتورة تعليم صار استثمارًا فوق طاقة طبقة وسطى تتآكل يوميًا.

