تزامنًا مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، وقبيل الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 3 يوليو 2013، التي أعقبتها موجة اعتقالات واسعة، دعا صحفيون وحقوقيون مصريون إلى تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق، تحت مظلة الأمم المتحدة، للتحقيق في أوضاع المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، ورصد ما يتعرضون له من انتهاكات، وفق ما تؤكده منظمات حقوقية.
وفي هذا السياق، أطلق الكاتب الصحفي والإعلامي المعارض قطب العربي دعوة بعنوان "نحو لجنة دولية لتقصي الحقائق في السجون المصرية"، تحدث فيها عن ما وصفه بحالات التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي التي يتعرض لها معتقلون، مؤكدًا أن التعذيب يعد جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
وأوضح العربي أن حملة حقوقية أُطلقت بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، وتتضمن ضمن مطالبها تشكيل لجنة أممية لزيارة السجون المصرية، والالتقاء بالمعتقلين السياسيين، والضغط من أجل التزام السلطات المصرية بتعهداتها الدولية.
وأكد أن الدعوة موجهة بالأساس إلى المنظمات الحقوقية المصرية والدولية، وليس إلى قوى المعارضة السياسية، لحثها على التحرك أمام آليات الأمم المتحدة المختصة، وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة.
وأشار إلى أن المنظمات الحقوقية المصرية وثّقت، على مدار سنوات، العديد من الانتهاكات وقدمتها إلى الأمم المتحدة، داعيًا إلى الانتقال من مرحلة التوثيق إلى المطالبة بإرسال لجنة دولية لتفقد السجون والوقوف على أوضاع المحتجزين.
كما لفت إلى أن الأمم المتحدة اعتمدت منذ عام 1997 يوم 26 يونيو يومًا عالميًا لمساندة ضحايا التعذيب، قبل أن تعتمد عام 2002 البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يتيح إنشاء نظام دولي لزيارة أماكن الاحتجاز.
نداء رفاعة الطهطاوي.. دعوة لم تلقَ استجابة
أعاد الحقوقيون التذكير بالمناشدة التي سرّبها رئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق المعتقل السفير رفاعة الطهطاوي في أغسطس الماضي، والتي طالب فيها بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية لزيارة قطاع (2) بسجن بدر (3)، ورفع تقرير إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان في جنيف.
واقترح الطهطاوي أن يرأس اللجنة المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، أو رئيس الوزراء الأردني الأسبق والقاضي السابق بمحكمة العدل الدولية عون الخصاونة، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة، بينهم السفير شكري فؤاد والناشط جورج إسحق، اللذان كانا قد توفيا دون أن يعلم بذلك.
ورغم تلك المناشدة، لم تستجب المؤسسات الأممية للمطلب، كما لم يُفرج عن الطهطاوي، رغم انتهاء جميع الأحكام الصادرة بحقه، واستمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عنه، خاصة مع منعه من الزيارات لسنوات وإعلانه الإضراب عن الطعام مع عدد من المعتقلين.
حقوقيون: الاستجابة الدولية تبدو معقدة
من جانبه، قال الحقوقي المصري محمد زارع إن المطالبات بالسماح لخبراء الأمم المتحدة والمقررين الخواص بزيارة السجون المصرية ليست جديدة، لكنها كانت تُقابل دائمًا بالرفض من جانب السلطات المصرية.
وأوضح أن التعديلات التي أُدخلت على قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان حدّت من صلاحياته في إجراء زيارات مفاجئة للسجون، بعدما أصبحت تلك الزيارات تتم وفق ترتيبات مسبقة مع وزارة الداخلية ومصلحة السجون، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تضييقًا على عمليات الرقابة.
وأشار زارع إلى أن الجهات المحلية المخولة قانونًا بالتفتيش على السجون تظل محدودة، مثل النيابة العامة وبعض الجهات الرقابية، لكنه أكد أن استمرار الشكاوى الحقوقية يشير إلى الحاجة لتعزيز الرقابة وتحسين أوضاع المحتجزين.
ودعا السلطات المصرية إلى السماح بزيارات رقابية دورية وفعالة، وتحسين أوضاع السجناء، وإنهاء معاناة المحتجزين بسبب آرائهم، وفي مقدمتهم كبار السن والمرضى، ومن بينهم السفير رفاعة الطهطاوي.
آليات أممية وشكاوى قانونية
تمتلك الأمم المتحدة عددًا من الآليات القانونية المعنية بحماية حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب، من بينها مجلس حقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وتتيح هذه الآليات للأفراد وأسر المحتجزين وهيئات الدفاع القانونية تقديم شكاوى وبلاغات رسمية، شريطة استيفاء الضوابط القانونية، ومنها اللجوء إلى القضاء المحلي واستنفاد وسائل التقاضي المتاحة.
كما يمكن إرسال بلاغات عاجلة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن حالات التعذيب أو الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي، فيما تلعب منظمات دولية مثل "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" و"الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" دورًا في توثيق الانتهاكات وإعداد الملفات القانونية ورفعها إلى الهيئات الأممية.
ملف مستمر بين الانتقادات الحقوقية والموقف الرسمي
وتؤكد منظمات حقوقية استمرار رصد انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، تشمل مزاعم تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والإخفاء القسري وإعادة تدوير المحتجزين في قضايا جديدة، إضافة إلى استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة.
ورغم تشكيل لجنة العفو الرئاسي وإعادة تفعيلها خلال السنوات الماضية، ترى منظمات حقوقية أن وتيرة الإفراجات لا تزال محدودة مقارنة بأعداد المحتجزين، بينما تستمر المطالبات بإطلاق سراح النساء والمرضى وكبار السن، وفتح مسار لمصالحة وطنية بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الأزمة.
كما يشير حقوقيون دوليون إلى أن المواقف الغربية، بما فيها الأمريكية والأوروبية، لم تمارس ضغوطًا كافية بشأن ملف حقوق الإنسان في مصر، في حين تتواصل نداءات أسر المعتقلين للمطالبة بالإفراج عن ذويهم، وإنهاء ما يصفونه بمعاناة مستمرة داخل السجون.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المصرية في مناسبات مختلفة التزامها بالدستور والقانون، وترفض الاتهامات المتعلقة بوجود انتهاكات ممنهجة داخل السجون، مشددة على أن أماكن الاحتجاز تخضع للرقابة القضائية، وأنها تحترم التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

