أثار لقاء رجل الأعمال نجيب ساويرس مع الرئيس السوري أحمد الشرع، استغرابًا بين الكثيرين، وهو ما عده مراقبون تحولاً لافتًا في موقف رجل الأعمال الذي سبق وأن هاجم الرئيس السوري ونظامه بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، علاوة على كونه معارضًا لتيارات الإسلام السياسي.
وعندما أعلنت إدارة العمليات العسكرية في سوريا تولي أحمد الشرع رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية في 29 يناير 2025، علق ساويرس عبر حسابه على منصة "إكس"، قائلاً: "سحر الكرسي.. من يجلس عليه لا يتركه".
كما تندر ساويرس على تصريحات أحمد الشرع بشأن مهلة كتابة دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات رئاسية، وهو ما فسره بأن الشرع لن يغادر السلطة.
وكتب ساويرس في حسابه على منصة "إكس"، ردًا على أحد المتابعين: "أتفق معاك تصريح تلات سنين لكتابة الدستور يترجم إلى أنا مش ماشي للأربع سنين الجايين".
وأضاف ساويرس أن "الدستور يخلص في 6 أشهر والانتخابات سنة بالكتير".
تحولات في تصريحات ساويرس
لكن بمضي الوقت طرأ تطور على نظرة ساويرس، برز بوضوح في تصريحات قال فيها إن أحمد الشرع "نجح فيما يقول ويفعل حتى الآن" منذ توليه السلطة، مشيداً بإدارته للمرحلة الانتقالية.
مع ذلك، أبدى موقفًا حذرًا متوازنًا يتلخص في أن "الشك يظل موجودًا" حيال التوجهات الأيديولوجية السابقة للشرع، لا سيما ما يتعلق بنظرته للمستقبل ونظام الحكم وحماية الأقليات كالمسيحيين والعلويين.
كما أثنى ساويرس على تصريحات حسين الشرع والد أحمد الشرع التي تحدث خلالها حول نسب العائلة وحوار دار بينه وبين ابنه قبل معركة حلب وبداية سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد.
وجاءت التصريحات المتداولة التي أدلى بها حسين الشرع خلال مقابلة على قناة "العربية"، وقال فيها عن نسب العائلة: "أنا من قرية، نحن فلاحون، ملاك أراضي، القرية اسمها جيبين، نحن من عائلة النبوة لنا مركز اجتماعي، والناس تحترمنا كثيرا لمركزنا الاجتماعي وليس مركزنا العقاري..".
وأضاف: "يُعرف أن أجدادنا أن لهم مكانة في حوران وفي فلسطين وفي منطقة دمشق ونحن من عائلة تمت للأشراف بصلة.."
وعلق ساويرس قائلاً عبر منصة "أكس": “حديث إنسان مثقف ومن عائلة محترمة”. لكنه أضاف أيضًا: "لكن لا أعلم ما الذي أدى إلى تطرف ابنه قبل أن يرجع إلى العقلانية والتوازن".
استقبال الشرع لساويرس بقصر الشعب
وكانت المفاجأة مع تداول صور لاستقبال الشرع لساويرس في قصر الشعب بدمشق في 24 يونيو الجاري، وأثارت الصورة التي جمعتهما معًا اهتمامًا واسعًا، جاءت في إطار سلسلة اجتماعات دعا إليها الرئيس السوري خلال الأشهر الماضية، رجال أعمال ومستثمرين من دول عربية وإقليمية، في ظل سعي سوري لاستقطاب الاستثمارات العربية والأجنبية للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
وبحسب وسائل إعلام سورية، فإن اللقاء تطرق إلى أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي العربي ودور القطاع الخاص في دعم جهود التنمية وخلق فرص العمل، إضافة إلى مناقشة التحديات التي تواجه بيئة الأعمال والاستثمار في المنطقة.
قراءة اقتصادية للقاء
ومع ما أثاره اللقاء من استغراب كبير، رأى الكاتب الاقتصادي مصطفى عبدالسلام في مقال نشرته صحيفة "العرب الجديد" أن اللقاء ليس غريبًا من وجهة نظره، لأسباب عدة:
الشرع رجل عملي يعمل لصالح تنمية بلده سورية، ويسعي لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال الخارجية إليها والتي تساهم في تنشيط الاقتصاد، وتقوية العملة المحلية الليرة، وتوفير فرص عمل للشباب، وإعادة تأهيل المناطق التي دمرها نظام بشار الأسد، ورفع مستوى خدمات البنية التحتية وإقامة شبكة واسعة من المدارس والمستشفيات والطرق والمياه ومحطات توليد الطاقة.
كما أن الشرع لا يريد وقوع سورية في فخاخ صندوق النقد الدولي وكبار الدائنين الدوليين بسبب مخاطر الخطوة الكبيرة على الأمن القومي للدولة والخطط الاقتصادية والتنموية والاستقرار المجتمعي.
وقال إنه من المؤكد أنه وافق على اللقاء عندما تلقى تقارير تفيد بأن ساويرس يمكن أن يضخ استثمارات ضخمة في سوريا، والدخول في شراكات مع رجال أعمال سوريين وعرب وأجانب لإقامة مشروعات مشتركة خاصة في قطاعات يفضلها ساويرس مثل الاتصالات والطاقة والعقارات والمطارات الجديدة.
وأضاف: "ولا يمكن فصل خبر استقبال الشرع ساويرس عن حرص الرئيس السوري على جذب الشركات والقطاع الخاص المصري للمشاركة في إعادة إعمار سورية، بخاصة وأن تلك الشركات لديها خبرة فنية كبيرة ووجود قوي عربيا وأفريقيا بل وعالميًا وتنشط في مجالات يحتاجها بشدة السوريون مثل الاتصالات والتكنولوجيا والتطوير العقاري والإنشاءات وتأهيل البنية التحتية، كما أن تلك الشركات والاعتبارات الاقتصادية قد تكون هي مدخل التقارب بين النظامين المصري والسوري".
أما بالنسبة لساويرس، كما قال الكاتب الاقتصادي، فإن لديه عشرات المبررات التي تدفعه دفعًا نحو الاستثمار في سوريا، فرجل الأعمال المصري يؤمن بمبدأ أنه كلما عظمت وزادت المخاطر، ارتفعت الربحية والصفقات، ولذا استثمر مليارات الدولارات في دول وأسواق عالية المخاطر السياسية والاقتصادية منها كوريا الشمالية والعراق والسودان والجزائر وباكستان وسورية الأسد ومنطقة الكاريبي.
ولذا ينظر إلى سوريا على أنها فرصة استثمارية كبيرة وواعدة بخاصة مع توجه الدولة نحو الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمالي، ونجاح النظام الحالي في تجاوز ملفات عدة غاية في التعقيد، ومن أبرز تلك الفرص مشروع إعادة إعمار سوريا والذي تقدر تكلفته المبدئية بين 600 و900 مليار دولار حسب تقديرات الشرع، في حين قدرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار في أكتوبر 2025.
كما أن مساندة دول الخليج الاقتصاد السوري، وفي المقدمة قطر والسعودية، وإعلان عدد من كبار الشركات ورجال الأعمال الخليجيين والأجانب عن إقامة مشروعات ضخمة داخل سوريا تقدر كلفتها بمليارات الدولارات ربما وراء تحمس ساويرس للاستثمار في سوريا، إضافة إلى اعتبارات خارجية أخرى منها رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عن سوريا بما فيها العقوبات الأمريكية.
وهناك أمر آخر، يقول عبدالسلام إنه يجب أخذه في الاعتبار عند مناقشة مغزى لقاء يوم الأربعاء ويرتبط بالمستحقات المالية لساويرس في سوريا، حيث استثمر رجل الأعمال في قطاع الاتصالات وقت حكم الأسد، وكانت له تجربة قاسية حيث فُرضت عليه مشاركة رامي مخلوف ابن خالة الرئيس المخلوع مقابل منحه رخصة شركة اتصالات، وهو ما اعتبره رجل الأعمال بعدها قرارًا خاطئًا، ولكن لم يكن أمامه خيار آخر لو أراد الاستثمار في هذه الدولة كما قال.

