كشفت لجنة الصناعة بمجلس النواب، برئاسة النائب أحمد بهاء شلبي، في القاهرة، عن وجود نحو 400 مصنع متوقف يحتاج إلى تدخلات أوسع لإعادته للإنتاج، بينما لم تحصل إلا 40 منشأة فقط على موافقات تمويلية.

 

وفي المقابل، لا تعكس الأزمة رقماً صناعياً مجرداً، بل مأساة عمال وأسر وخطوط إنتاج صامتة، في بلد يرفع شعارات التصنيع والتصدير، بينما يترك المصانع عالقة بين البنوك والبيروقراطية وغياب التعريف الواضح للتعثر.

 

400 مصنع خارج الخدمة

 

وبالتالي، جاءت مناقشات لجنة الصناعة لتكشف أن ملف المصانع المتعثرة ما زال بلا تعريف موحد، رغم سنوات من الحديث الحكومي عن دعم الصناعة وإعادة التشغيل وزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل.

 

كما أن غياب التعريف لا يمثل مشكلة لغوية، بل يفتح الباب أمام فوضى في تحديد المستحقين للدعم، ويجعل المصنع المتوقف رهينة تقديرات متضاربة بين الوزارة والبنك والهيئة والجهات التمويلية.

 

لذلك، شدد أحمد بهاء شلبي على ضرورة وضع معايير ومؤشرات أداء دقيقة لقياس العائد الاقتصادي من الأموال المخصصة لدعم القطاع الصناعي، حتى لا تتحول المليارات إلى إنفاق بلا نتيجة.

 

ومن ثم، فإن ضخ 30 مليار جنيه في مبادرة تمويلية لا يكفي لإحياء الصناعة إذا بقيت الإجراءات بطيئة، والشروط ضيقة، والموافقات محدودة، والنتائج الفعلية بعيدة عن حجم الأزمة.

 

غير أن صبري الشافعي، رئيس وحدة دعم الصناعة بهيئة التنمية الصناعية، أكد أن التمويل يخضع لمؤشرات أداء، ولا يمنح إلا بعد التأكد من توجيهه لزيادة التشغيل والطاقة الإنتاجية وتحقيق المستهدفات.

 

علاوة على ذلك، فإن الأرقام نفسها تكشف فجوة قاسية، إذ تقدم 224 طلباً لتمويل الآلات والمعدات، لكن 40 منشأة فقط حصلت على الموافقة، بما يعني أن غالبية الطلبات بقيت خارج دائرة الإنقاذ.

 

بناءً على ذلك، يصبح الحديث الرسمي عن الدعم الصناعي ناقصاً، لأن المصنع المتعثر لا يحتاج شعاراً، بل قراراً سريعاً وتمويلاً متاحاً وتسوية عادلة ومدخلاً واضحاً لإعادة العمال إلى خطوط الإنتاج.

 

تمويل ضيق وإجراءات خانقة

 

في السياق ذاته، تساءل النائب مصطفى البهي عن قدرة المبادرات الحالية على استيعاب العدد الكبير من المصانع المتعثرة، مشيراً إلى وجود نحو 400 مصنع متوقف يحتاج إلى تدخلات أوسع.

 

ومع ذلك، تبدو المبادرة كأنها مصممة لعبور عدد محدود فقط، بينما تقف مئات المصانع عند الباب، إما بسبب الشروط، أو القطاع المستهدف، أو ضعف الضمانات، أو تشدد البنوك.

 

إلى جانب ذلك، فإن تعديل المبادرة لتشمل شراء المواد الخام بجانب الآلات والمعدات اعتراف غير مباشر بأن الأزمة ليست في المعدات وحدها، بل في دورة تشغيل كاملة تعطلها السيولة والتكلفة.

 

ومن ناحية أخرى، يرى محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن تعثر المصانع له أسباب كثيرة، لكن التعثر المالي يشكل جانباً كبيراً، بما يستلزم مبادرات تمويلية بفائدة مناسبة للقطاع الصناعي.

 

لزيادة الوضوح، فإن ارتفاع تكلفة التمويل يقتل قدرة المصنع على العودة، لأن الصناعة لا تعمل بمنطق المضاربة السريعة، بل تحتاج دورة إنتاج ومخزوناً وعمالة وطاقة وتسويقاً قبل تحقيق عائد.

 

في المقابل، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن جزءاً محدوداً من المصانع المتعثرة يعاني أزمة تمويلية خالصة، بينما تعاني كيانات كثيرة من تآكل رأس المال ومشكلات ضريبية وحجوزات.

 

وعليه، فإن فتح خزينة تمويلية دون تشخيص دقيق قد يحول الإنقاذ إلى تسكين مؤقت، لأن المصنع الذي خسر رأس ماله يحتاج إعادة هيكلة شاملة لا قرضاً جديداً يضاف إلى أعبائه.

 

الصناعة بين العمال والاقتصاد

 

كذلك، قال الدكتور فخري الفقي إن القطاع الصناعي يقود النمو ويخلق فرص عمل، وهو ما يجعل تشغيل المصانع المتوقفة قضية اقتصادية واجتماعية، لا ملفاً فنياً محصوراً داخل لجان وبنوك.

 

ثم إن غلق 400 مصنع يعني توقف أجور وسلاسل توريد وورش نقل وموردين صغار وأسواق محلية، أي أن كل مصنع مغلق يسحب خلفه دائرة كاملة من العمل والاستهلاك.

 

فضلاً عن ذلك، فإن تعطيل المصانع يضرب هدف زيادة الصادرات، لأن الدولة لا تستطيع الحديث عن غزو الأسواق الخارجية بينما تسمح بتوقف طاقات إنتاجية جاهزة داخل المناطق الصناعية.

 

غير أن الحكومة تميل إلى إعلان المبادرات أكثر من إعلان نتائجها، فتتكرر عبارات الدعم والتمويل والحوافز، بينما يسأل النواب أنفسهم داخل اللجنة عن العائد الفعلي وعدد المصانع التي عادت للإنتاج.

 

لذلك، طالبت لجنة الصناعة بربط برامج الدعم والتمويل بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل زيادة الإنتاج ورفع التشغيل وتعظيم العائد على الاقتصاد الوطني، وهي مطالب تكشف قصوراً قائماً لا إنجازاً مكتملاً.

 

وبالمثل، فإن إعادة تشغيل المصانع المتعثرة تحتاج قاعدة بيانات دقيقة، تحدد المصنع المتوقف جزئياً أو كلياً، وسبب التعثر، وحجم العمالة، والمديونيات، والاحتياجات التمويلية، وفرص العودة الفعلية للسوق.

 

كما ينبغي أن تتوقف الدولة عن إدارة الصناعة بمنطق رد الفعل، لأن كل تأخير في تسوية مصنع متعثر يزيد تكلفة إنقاذه، ويهدر معدات، ويفقد عمالاً مهرة، ويفتح الباب للاستيراد.

 

ومن هنا، يصبح غلق 400 مصنع إدانة لسياسات اقتصادية رفعت تكلفة الإنتاج وخنقت التمويل وتركت البيروقراطية تتحكم في المصير، ثم عادت لتسأل لماذا لا تزيد الصناعة ولا تتوسع الصادرات.

 

وفي النهاية، لا تحتاج المصانع المتعثرة إلى خطب جديدة عن الجمهورية الصناعية، بل إلى تعريف واضح، وتمويل عادل، وبنوك مرنة، وتسويات ضريبية، وحكومة تفهم أن المصنع المغلق ليس رقماً بل وطن معطل.