تحولت رابعة منذ صباح 14 أغسطس 2013 من اسم لميدان شرقي القاهرة إلى عنوان لأكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث، بعدما اقتحمت قوات الجيش والشرطة الاعتصام، وأطلقت الرصاص على المعتصمين، وأحرقت الخيام، وحاصرت المستشفى الميداني، مخلفة مئات القتلى وآلاف المصابين في ساعات دامية شطرت المجتمع المصري ودفعت البلاد إلى حقبة غير مسبوقة من القمع والخوف.
ولم يكن فض الاعتصام مجرد قرار أمني لإنهاء تجمع معارض، بل مثّل محطة حاسمة في الطريق الذي سلكه عبد الفتاح السيسي من وزارة الدفاع إلى قصر الاتحادية، بعدما أصبحت القوة المفرطة وسيلة لكسر خصومه، وإسكات الشارع، ومنع تكرار ثورة يناير، بينما غابت المحاسبة واستمرت مؤسسات الدولة في حماية المسؤولين عن المذبحة وطمس حقوق الضحايا.
من الانقلاب إلى الإبادة
بدأت مقدمات المذبحة مع إطاحة الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، حين سارعت السلطات الجديدة إلى اعتقال قيادات سياسية وإغلاق القنوات المعارضة، بالتزامن مع نشر قوات الجيش والشرطة في الشوارع ومنحها صلاحيات واسعة للتعامل بالقوة مع التجمعات الرافضة للانقلاب وخارطة الطريق التي أعلنها السيسي.
وعملت وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة على تصوير المعتصمين باعتبارهم خطرا على الدولة والمجتمع، وروجت مزاعم عن امتلاكهم أسلحة ثقيلة وارتكابهم انتهاكات داخل الاعتصام، من دون تقديم أدلة واضحة، بما ساعد على نزع الصفة الإنسانية عنهم وتهيئة قطاعات من المصريين لتقبل قتلهم أو الصمت على استهدافهم.
ولم يكن التحريض الإعلامي منفصلا عن المسار الأمني، إذ تبنّت السلطة خطابا يقسم المصريين بين مواطنين يستحقون الحماية وخصوم يمكن استباحة حقوقهم، ثم استخدمت الخوف من جماعة الإخوان المسلمين لتبرير إجراءات تجاوزت الجماعة نفسها، وفتحت الباب أمام قمع كل من يعارض النظام الناشئ.
كما تحولت التظاهرات التي خرجت ضد مرسي إلى غطاء استند إليه السيسي لتقديم تدخله باعتباره استجابة لإرادة شعبية، قبل أن تتحول هذه الإرادة المزعومة إلى تفويض مفتوح للقتل والاعتقال، رغم أن معارضة رئيس أو جماعة لا تمنح الجيش حق إهدار حياة المواطنين أو إسقاط المؤسسات المنتخبة بالقوة.
وجاءت مذبحة الحرس الجمهوري فجر 8 يوليو 2013 لتكشف مبكرا طبيعة المسار المقبل، بعدما هاجمت القوات المعتصمين بالقرب من مقر الحرس أثناء الصلاة، فسقط عشرات القتلى والجرحى، في واقعة بدت كاختبار لقدرة السلطة على استخدام الرصاص ثم تمرير الدماء وسط الانقسام والتحريض.
وتوالت بعد ذلك الاعتداءات على التجمعات الرافضة للانقلاب، بينما كانت المبادرات الداخلية والخارجية تحاول التوصل إلى تسوية تمنع المواجهة، غير أن السيسي رفض التراجع، بعدما أصبح أي حل يبقي خصومه داخل المشهد تهديدا لمشروعه في الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء أكبر قوة سياسية منظمة في البلاد.
ومع طلب السيسي تفويضا لمواجهة ما سماه الإرهاب المحتمل، انتقلت السلطة من تبرير تدخلها بحماية الدولة إلى إعداد غطاء شعبي لعملية قمع واسعة، فأصبحت الحشود المؤيدة له أداة لشرعنة العنف المقبل، وتحولت الكلمات الفضفاضة عن الأمن إلى تصريح مفتوح باستهداف المعارضين.
يوم الدم في رابعة
في صباح 14 أغسطس، اقتحمت قوات الأمن ميدان رابعة العدوية مستخدمة المدرعات والجرافات والغاز والذخيرة الحية، وانتشر القناصة في محيط المنطقة، بينما انطلقت الرصاصات نحو رؤوس المعتصمين وصدورهم، دون تمييز بين الرجال والنساء أو الشباب وكبار السن، وسط غياب ممرات آمنة تكفي لخروج المحاصرين.
وخلال ساعات، امتلأ المستشفى الميداني بالجثث والمصابين، وعجز الأطباء والمتطوعون عن التعامل مع الأعداد المتدفقة، بينما استمر إطلاق النار والاقتحام، لتتحول الخيام التي أقام فيها المعتصمون إلى ساحات للقتل والحريق، ويصبح إنقاذ المصابين مهمة شبه مستحيلة تحت حصار قوات الأمن.
وأحصت منظمة هيومن رايتس ووتش 817 جثة، بينما اعترف رئيس الوزراء آنذاك حازم الببلاوي بأن عدد القتلى اقترب من 1000، ورجحت تقديرات أن تكون الحصيلة الحقيقية أكبر، نظرا إلى احتراق جثث واختفاء ضحايا وتعذر توثيق جميع الحالات خلال الفوضى التي صاحبت عملية الفض.
ولم ينته الانتهاك عند إطلاق الرصاص، إذ احترقت جثث داخل الخيام، وتعرض المستشفى الميداني للهجوم، وأُجبر المعتصمون على ترك مصابين لم يتمكنوا من نقلهم، بينما حُرم بعض الجرحى من الإسعاف حتى الموت، في مشهد تجاوز تفريق الاحتجاج إلى معاقبة الضحايا وملاحقتهم حتى في لحظاتهم الأخيرة.
وتجاوزت حصيلة عنف الدولة 3200 قتيل خلال الأشهر السبعة الأولى بعد إطاحة مرسي، ما يؤكد أن رابعة لم تكن حادثا استثنائيا أو خطأ في تقدير القوة، بل ذروة لنهج متواصل استخدم القتل والاعتقال لتصفية المعارضة وإغلاق الطريق أمام أي مقاومة شعبية للسلطة الجديدة.
ولو كان الهدف إخلاء الميدان فقط، لكان ممكنا اللجوء إلى وسائل أقل دموية أو استكمال جهود الوساطة، لكن حجم القوة المستخدمة كشف أن الغاية تجاوزت إنهاء الاعتصام إلى إنتاج صدمة جماعية، تترسخ في ذاكرة المصريين وتحذرهم من أن العودة إلى الشارع ستقابل بمذبحة جديدة.
الخوف أساس الحكم
نجحت المذبحة في تقليص قدرة المصريين على الاحتجاج، بعدما شهد النصف الأول من عام 2013 أكثر من 4500 تحرك احتجاجي، قبل أن يتراجع العدد إلى 665 فقط خلال النصف الثاني، بما يعكس الأثر المباشر للعنف في إخراج المواطنين من الشوارع وتفكيك قدرتهم على التنظيم الجماعي.
وكانت الرسالة واضحة بأن العمل المستقل خارج سيطرة الدولة لم يعد مسموحا، وأن أي تجمع قادر على تحدي السلطة سيواجه بالقوة، لذلك لم يقتصر أثر رابعة على جماعة الإخوان أو مؤيدي مرسي، بل أصاب المجال العام كله، وأغلقه أمام الأحزاب والحركات والنقابات والمبادرات المدنية.
وساهمت المذبحة في كسر حواجز أخلاقية داخل المجتمع، بعدما تقبل مصريون قتل مصريين آخرين بسبب اختلافهم، وواصل إعلام السلطة التشفي في الضحايا وتشويههم بعد موتهم، حتى تحول الانقسام إلى وسيلة حكم تسمح للنظام بتبرير القمع عبر تخويف كل فئة من الأخرى.
وفي ظل غياب تحقيق مستقل، لم يمثل المسؤولون عن الفض أمام محاكمة تكشف من أصدر الأوامر ومن اختار مستوى القوة المستخدمة، بينما ظل القضاء عاجزا عن إنصاف عائلات القتلى، فتحولت الحصانة من المحاسبة إلى رسالة بأن مؤسسات الدولة تستطيع قتل المواطنين دون أن تواجه مساءلة حقيقية.
ومهّد هذا الإفلات من العقاب لمزيد من الانتهاكات، فلم تعد القوة المفرطة مرتبطة باعتصامات مؤيدي مرسي وحدهم، بل أصبحت نهجا ثابتا في إدارة الدولة للمجتمع، وامتدت إلى السجون والشوارع والملاعب، كما ظهر في مقتل 20 من مشجعي الزمالك أمام استاد الدفاع الجوي عام 2015.
وأعادت رابعة بناء الدولة البوليسية بصورة أكثر قسوة من عهد حسني مبارك، إذ جرى سحق المعارضة وإخضاع الإعلام وتوسيع الاعتقالات وتحويل الخوف إلى قاعدة في علاقة المواطن بالسلطة، حتى بات المصري يفكر في تكلفة الاعتراض قبل أن يفكر في حقه الدستوري في التعبير.
وبعد أعوام على المذبحة، ما زالت دماء الضحايا بلا عدالة، ولا تزال عائلاتهم تنتظر محاسبة لم تبدأ، بينما بقي أثر رابعة حاضرا في صمت الشوارع وتراجع العمل الجماعي واتساع الخوف، شاهدا على نظام فتح طريقه إلى الحكم فوق الجثث ثم حصّن سلطته بالإفلات من العقاب.

