تتعمق في مصر معادلة قاسية صنعها نظام قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي منذ سنوات: اصمت كي تعيش، وابتعد عن السياسة كي تنجو، وتنازل عن حقك في الحرية مقابل وعد غامض بالأمان. لكن النتيجة لم تكن أمانا، بل دولة خوف واسعة، تقتل أي فرصة للتغيير، وتغلق المجال العام، وتحوّل المواطن من صاحب حق إلى كائن مراقب يزن كلماته قبل أن ينطقها.

 

لم يعد المصري أمام نظام سياسي طبيعي يمكن مساءلته أو تغييره أو الاعتراض عليه، بل أمام بنية استبداد محكمة ترى في السياسة خطرا، وفي المجتمع المدني تهديدا، وفي الصحافة المستقلة مؤامرة، وفي المحامي الحقوقي خصما، وفي المواطن الغاضب مشروعا لسجين. هكذا جرى تحويل مصر إلى مساحة صمت جماعي، حيث لا يطلب النظام حب الناس بقدر ما يطلب خوفهم.

 

وتحت شعار الاستقرار، جرى تفريغ الحياة العامة من معناها. الأحزاب محاصرة، الانتخابات محسومة قبل بدايتها، الإعلام مروض أو معاقب، النقابات تحت ضغط، المنظمات الحقوقية ملاحقة، والمحامون والنشطاء يدفعون أثمانا باهظة لمجرد الدفاع عن الدستور والقانون والكرامة الإنسانية. لم يكن الصمت هنا اختيارا شعبيا، بل سياسة ممنهجة لصناعة العجز.

 

وحين تقتل السلطة إمكان التغيير السلمي، فهي لا تحمي الدولة كما تزعم، بل تدفع المجتمع إلى موت بطيء. فالبلد الذي لا يستطيع أهله الكلام، ولا التنظيم، ولا الاحتجاج، ولا المحاسبة، يصبح بلدا بلا مستقبل سياسي، مهما امتلأ بالطرق والجسور والبيانات الرسمية عن التنمية.

 

إغلاق المجال العام وتجريم العمل الحقوقي

 

يصلح بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، كأحد أبرز الأصوات التي فككت طبيعة القمع في مصر خلال عهد السيسي. فخطابه الحقوقي يقوم على أن السلطة لم تكتف بانتهاك الحقوق، بل صنعت بيئة كاملة معادية لفكرة الحقوق ذاتها، باعتبارها تهديدا للنظام لا ضمانة للمجتمع.

 

ومن خلال مواقف مركز القاهرة، يظهر أن الاستبداد المصري لم يعد يستخدم القمع كاستثناء، بل كطريقة حكم. فالمنظمات الحقوقية توضع تحت الملاحقة، والنشطاء يواجهون اتهامات مطاطة، والسفر يصبح امتيازا قابلا للسحب، والحسابات البنكية يمكن تجميدها، والتحقيقات تتحول إلى عقوبة قائمة بذاتها حتى قبل أي حكم.

 

أما حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فيمثل نموذجا آخر لثمن الدفاع عن الحقيقة في مصر. فالمبادرة المصرية اشتبكت مع ملفات شديدة الحساسية: الحريات، السجون، العدالة الجنائية، الصحة، الدين، والتمييز. ولذلك لم يكن غريبا أن تصبح هدفا متكررا للضغط الأمني والسياسي.

 

قيمة بهجت في هذا السياق أنه يضع الإصبع على قلب الأزمة: المشكلة ليست فقط في الاعتقالات، بل في تحويل القانون إلى أداة ردع سياسي. فحين يصبح الباحث أو الصحفي أو المدافع الحقوقي معرضا للاستدعاء والتحقيق والمنع والتشهير، فإن الرسالة تصل إلى الجميع: لا تبحثوا، لا تكشفوا، لا توثقوا.

 

وهنا يتحول الصمت إلى سياسة دولة. السلطة لا تحتاج إلى اعتقال كل الناس، بل تكفيها أمثلة مرعبة كي يتعلم الباقون حدود الكلام. ويصبح الخوف أكثر فعالية من السجن نفسه، لأنه ينتقل من الزنازين إلى البيوت والمكاتب والجامعات وغرف الأخبار.

 

وبذلك، فإن قتل فرص التغيير يبدأ من قتل المعرفة. من لا يعرف حجم الانتهاكات لا يستطيع مقاومتها، ومن لا يملك منظمة توثق أو محاميا يدافع أو صحيفة تنشر، يبقى وحيدا أمام ماكينة دولة ضخمة تقول له إن النجاة في الطاعة.

 

محاصرة الأصوات المستقلة وتدمير أدوات المجتمع

 

يكشف مسار جمال عيد، المحامي والحقوقي ومؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كيف تعامل نظام السيسي مع الفضاء الحقوقي المستقل. فالشبكة التي دافعت عن حرية التعبير والصحافة والإنترنت وجدت نفسها أمام ضغوط أمنية وقضائية متصاعدة، حتى أصبح تعليق نشاطها دليلا على أن المجال العام لم يعد يتسع لمن يتكلم.

 

لم تكن أزمة جمال عيد فردية، بل رسالة إلى كل من يظن أن الحقوق يمكن أن تبقى خارج قبضة الدولة. فحين يتعرض حقوقي معروف لتجميد أموال ومنع من سفر وضغوط متكررة، فإن المقصود ليس الشخص وحده، بل البيئة كلها: المحامون، الصحفيون، المدونون، والباحثون.

 

أما محمد لطفي، مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فيحضر اسمه في قلب ملف بالغ الحساسية: الدفاع عن المختفين قسريا والمحبوسين احتياطيا وضحايا الانتهاكات. وهذه الملفات تفضح جوهر دولة الخوف، لأنها تكشف أن السلطة لا تريد فقط إسكات المعارض، بل تريد التحكم في مصير جسده وحريته وأثره القانوني.

 

تجربة المفوضية المصرية تبرز أن الدفاع الحقوقي في عهد السيسي لم يعد عملا مدنيا عاديا، بل عملا محفوفا بالمخاطر. كل بيان قد يصبح شبهة، وكل توثيق قد يتحول إلى اتهام، وكل مساعدة قانونية قد تُقرأ أمنيا كعداء للدولة.

 

بهذا المعنى، لا يكتفي النظام بتجفيف السياسة من أعلى، بل يدمر أدوات المجتمع من أسفل. يغلق المساحات التي يتنفس منها الناس، ويضرب الهياكل التي يمكن أن تنظم الغضب أو تحوله إلى مطلب قانوني. لذلك تصبح المعادلة واضحة: لا أحزاب حقيقية، لا إعلام حر، لا حقوقيين مستقلين، لا مجتمع قادر على مساءلة السلطة.

 

والنتيجة أن المواطن يفقد كل وسيط يمكن أن يحميه. فإذا ظلمته جهة أمنية لا يجد منظمة قوية؛ وإذا طرد من عمله لا يجد نقابة مستقلة؛ وإذا اعتقل قريب له لا يجد إعلاما حرا؛ وإذا أراد الاحتجاج لا يجد حزبا يترجم غضبه إلى سياسة.

 

القانون حين يصبح سلاحا ضد التغيير

 

يمثل نجاد البرعي، المحامي والحقوقي، صوتا مهما في نقد التشريعات التي حاصرت المجتمع المدني والحريات العامة. فالرجل اشتبك طويلا مع فكرة أن الأزمة ليست فقط في ممارسة السلطة، بل في القوانين التي تفصلها السلطة على مقاس الخوف، ثم تسميها تنظيما أو حماية للأمن القومي.

 

هذا هو جوهر دولة الاستبداد الحديثة: لا تحتاج دائما إلى خرق القانون، لأنها تصنع القانون القامع أولا. تضع نصوصا مطاطة، وتوسع تعريف الإرهاب، وتربط التمويل الأهلي بالشبهة، وتفتح باب الحبس الاحتياطي الطويل، ثم تقول إن كل شيء يتم وفق الإجراءات.

 

أما خالد علي، المحامي الحقوقي، فيمثل وجها آخر للمقاومة القانونية والسياسية في مصر. حضوره في قضايا الأرض والعمال والحريات والدستور كشف أن القانون يمكن أن يكون ساحة دفاع عن الناس، لكن النظام عمل على تضييق هذه الساحة حتى لا تتحول إلى منصة تغيير.

 

خالد علي يختصر فكرة أن الاستبداد يخاف من القانون حين يستخدمه المواطن لا حين تستخدمه السلطة. فالمحامي الذي يطعن، ويطالب، ويدافع، ويفتح الملفات أمام القضاء، يذكر الناس بأن لهم حقوقا. وهذا ما لا تريده دولة تقوم على تحويل الحقوق إلى منح مشروطة بالطاعة.

 

ومن هنا، يصبح قتل فرص التغيير عملية مركبة: قانون يقيد، وإعلام يشوه، وأمن يراقب، وقضاء استثنائي يهدد، وبرلمان ضعيف يمرر، وخطاب رسمي يخلط بين المعارضة والخيانة. إنها منظومة كاملة لا تترك للمواطن إلا هامش الصمت.

 

لكن أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تبني استقرارا حقيقيا. فالمجتمع الصامت ليس مجتمعا راضيا، بل مجتمعا ممنوعا من التعبير. والدولة التي تمنع التغيير السلمي لا تلغي الغضب، بل تدفنه تحت السطح، وتراكمه في البيوت والجامعات والمصانع والمقاهي وعلى أطراف المدن.

 

في النهاية، استراتيجية السيسي لم تكن مجرد قمع مباشر، بل مشروع لإعادة تشكيل مصر كدولة بلا معارضة، بلا رقابة، بلا مجتمع مدني مؤثر، وبلا طريق آمن للتغيير. يطلب النظام من الناس الصمت مقابل الأمان، لكنه يأخذ الصمت ولا يمنح الأمان؛ يأخذ السياسة ولا يمنح الخبز؛ يأخذ الحرية ولا يمنح الكرامة. وهذه ليست دولة استقرار، بل دولة استبداد تقتل المستقبل كي لا يتكلم أحد.