جعفر عباس

أديب وكاتب صحافي سوداني

 

شهد عام 2022 استضافة قطر للمونديال (منافسات كأس العالم لكرة القدم)، بينما يشهد العام الحالي (2026)، تلك المنافسات في أمريكا الشمالية، وتحديدا في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وأخوض اليوم في أمر هذه المنافسات، رغم أن علاقتي بالرياضة عموما مثل علاقتي بالرياضيات، التي أكرمني الله بقطع العلاقات معها، بأن قيَّض لي مقعدا في ذات جامعة. وبي نفور شديد من كرة القدم على وجه الخصوص، لأن الحكومات العربية تعطيها من الاهتمام، ما يجعلك تحسب انها أساس التنمية البشرية والاقتصادية، وأنها هي الأداة الحاسمة لتسجيل أهداف في مرمى إسرائيل، والفوز بكأس "فلسطين المستقلة".

 

قمت بتطبيع العلاقات مع كرة القدم إلى حدٍّ ما في 2022، أي في مونديال تلك السنة، الذي استضافته قطر، بحكم أنني مقيم في قطر ما أقام عسيب، واستعير هذه العبارة من امرؤ القيس الكندي "أجارَتَنا إنَّ الخُطُوبَ تَنوبُ/ وإني مُقِيمٌ ما أقامَ عَسِيبُ/ أجارَتَنا إنّا غَرِيبَانِ هَهُنَا/ وكُلُّ غَرِيبٍ للغَريبِ نَسيبُ"، وعسيب هذا جبل شامخ ثابت، كعلاقتي بقطر التي لن تنقطع في تقديري إلا بتدخل مباشر من عزرائيل.

 

وهكذا كنت شاهدا "شاف كل حاجة"، على الاستعدادات التي استمرت سنين عددا، لتمكين قطر من تلك الاستضافة، وعندما جاءت ساعة "الحقيقة"، طفت على كل الملاعب التي شهدت وقائع المنافسات، ولكن "من الخارج"، أي أنني لم أشهد أي مباراة في ذلك المونديال، وإن كنت أطوف يوميا في الشوارع والساحات التي استضافت الفعاليات الترويحية التي كانت تجري على هامش المباريات، وأرى البِشْر في مئات الآلاف من الوجوه.

 

عاش كل من جاء الى قطر لرصد وقائع المونديال طوال شهر كامل، وعلى مدار الساعة، في أجواء تعج بالأضواء والبشاشة والموسيقى، وكأنك تعيش في حلم لا تريد له نهاية،  وكانت البشاشة تعلو وجوه آلاف الفتيات الزائرات لقطر، وهن يتجولن في الأماكن العامة حتى ساعات الصباح الأولى، دون خوف من تحرش او عدوان، بل إن وحوش (مشجعي) الملاعب الأوربية الذين ياما حولوا ملاعب الكرة ومحيطها خلال مونديالات سابقة الى سوح معارك، حلت بهم سكينة، فلم تعرف مضامير المباريات ولا خارجها حوادث العنف الأهوج التي اعتاد عليها أولئك.

 

فور أن وقع اختيار الاتحاد الدولي لكرة القدم على قطر، في أواخر عام 2010، لاستضافة مونديال 2022، هاج الأمريكان حكومة وشعبا: هاو/ كيف تفوز بهذا الشرف دولة أصغر مساحة من ولاية فلوريدا على أقوى دولة عسكريا واقتصاديا في العالم؟ ثم فازوا باستضافة نسخة العام الحالي للمونديال، فانفتحت صنابير العويل في وسائل الإعلام الأمريكية محذرة من ان كارتيلات المخدرات في كولمبيا، بدأت منذ عام 2011، في صب مئات الآلاف من الأطنان من الهيروين والكوكايين على المكسيك، لتتولى عصاباتها رفع كفاءة شبكات التهريب والتوزيع داخل الأراضي الأمريكية، حتى يكون هناك مخزون استراتيجي من المخدرات لجماهير مونديال 2026، وأن التعويل في توزيع المخدرات في كندا تتولاه المافيا، وملائكة الجحيم Hells Angels، وعصابة الطرف الغربي West End Gang في مونتريال في مقاطعة كيبيك الكندية، لتصبح كندا مضيفة جزئية للمونديال ونقطة "تصريف" المخدرات. بينما المكسيك هي المعبر الأول لحركة المخدرات من كولمبيا إلى السوق الأمريكي والأوروبي ..

 

لم يفتح الله بكلمة على الإعلام الغربي الذي أقام مأتما وعويلا لأن القوانين في قطر لا تبيح المثلية الجنسية، والسلوك الفاضح، والحكومة الأمريكية، تمارس البلطجة بحق الفرق المشاركة في المونديال، تفتيشا بلغ درجة فحص حشوات أسنان البعض، وإبعاد البعض الآخر فور وصولهم الأراضي الأمريكية، وتبارت وسائل الإعلام الأمريكية الصهيوـ مسيحية لتبرير كل ذلك، بأنه ينسجم ومقتضيات الأمن الوطني.

 

وما يثير الدهشة هو أن الفيفا لم يرمش لها جفن إزاء كل ذلك، بل إن رئيسها جياني إنفانتينو، سبق أن أهدى لترامب جائزة فيفا للسلام، وهي الأولى من نوعها ـ وربما الأخيرة ـ وتم تصميمها خصيصا لترامب. وإنفانتينو هذا هو الذي قال عن مونديال قطر إنه حقق نجاحا باهرا على كافة الأصعدة، وأنه احتل المرتبة الثالثة من حيث الحضور الجماهيري في تاريخ كأس العالم، بإجمالي بلغ 3.404.252 مشجعًا، وأكثر من 5 مليار مشاهدا عبر التلفزيون، وأنه وعلى مستوى الحضور في مباراة واحدة، سُجل الرقم الأعلى في لقاء الأرجنتين والمكسيك على ملعب لوسيل، حيث بلغ عدد الجماهير 88,966 متفرجًا، وهو الملعب الذي احتضن النهائي التاريخي بين فرنسا والأرجنتين. بينما بلغت إيرادات المونديال القطري نحو 7.5 مليارات دولار، بزيادة تقارب مليار دولار عن النسخة السابقة.

 

وبداهة فإن ترامب الذي وضع إنفانتينو في جيبه، أطلق العنان لجهات أمريكية كي تستغل المونديال لشفط ما في جيوب جماهير الكرة. ففي مونديال قطر 2022 تراوحت أسعار تذاكر المباراة الافتتاحية بين 55 دولارا للفئة الرابعة و618 دولارا للفئة الأولى. بينما قفزت الأسعار بشكل هائل في المونديال الأمريكي لتبدأ من 560 دولارا للفئة الرابعة وتصل إلى 2735 دولارا للفئة الأولى، أي بزيادة تتجاوز 390% عن نسخة قطر. ولك أن تتساءل ما إذا كانت التذاكر الأربع المطروحة لمباراة النهائيات بسعر نحو مليوني دولار للتذكرة الواحدة مصحوبة بضمان ان حاملها سيدخل الجنة بدون حساب.

 

وإذا كان ثمة عائد إيجابي لقطر من المونديال الأمريكي الشمالي، فهو أنه جعل جماهير الكرة  التي شهدت النسخة القطرية، وتتابع حاليا النسخة الأمريكية، "تترحم" على أيام قطر، ومن أراد التأكد من ذلك عليه زيارة مواقع تفاعلية أمريكية مثل ريد إت، وكوورا Reddit, Quora.