استهدفت غارات إسرائيلية واسعة، منذ فجر الجمعة، أكثر من 25 موقعًا سكنيًا في جنوب لبنان، ما أسفر عن استشهاد 26 لبنانيًا وإصابة العشرات وتدمير أحياء ومنازل مأهولة في النبطية وحاروف وبلدات مجاورة.
وبذلك، لم يعد القصف مجرد جولة عسكرية عابرة، بل بدا رسالة سياسية دامية تستخدم المدنيين كورقة ضغط، وتحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار لاتفاق هش بين واشنطن وطهران على حساب دماء السكان.
في المقابل، زعم جيش الاحتلال أن ضرباته استهدفت عناصر وبنى تابعة لحزب الله، بينما أكدت الرواية اللبنانية أن الغارات طالت منازل مأهولة، وأن الحصيلة البشرية تكشف اتساع دائرة العقاب الجماعي.
كما أن سقوط هذا العدد من الشهداء في يوم واحد يفضح هشاشة أي حديث عن تهدئة، إذ لا معنى لاتفاق سياسي يسمح لطرف محتل بتوسيع قصفه ثم تبرير المجازر بذريعة الأمن.
لزيادة خطورة المشهد، تزامن التصعيد مع تعليق مباحثات أمريكية إيرانية كانت مقررة في جنيف، بعدما ربطت طهران العودة إلى التفاوض بوقف إسرائيل لهجماتها واحترام بنود التفاهم المتعلق بلبنان.
لذلك، تحوّل الجنوب اللبناني من جبهة حدودية إلى عقدة تفاوضية كبرى، لأن استمرار القصف الإسرائيلي بات يهدد مسار الاتفاق الأمريكي الإيراني، ويفضح عجز واشنطن عن إلزام حليفها بما تفاوضت عليه.
ومن ثم، فإن إلغاء أو تعليق سفر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى جنيف لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على أن إسرائيل نجحت مؤقتًا في تفجير الإيقاع السياسي للمفاوضات.
غير أن انتقادات فانس العلنية للحكومة الإسرائيلية عكست حجم الغضب داخل الإدارة الأمريكية، إذ قال إن دعم إسرائيل لا يعني منحها تفويضًا مفتوحًا لتقويض مسار السلام الجاري.
علاوة على ذلك، بدا حديث فانس عن أن واشنطن كانت قريبة من اختراق مع طهران اعترافًا ضمنيًا بأن القصف الإسرائيلي في لبنان لم يكن معزولًا عن محاولة تعطيل التسوية الإقليمية.
بناءً على ذلك، يتضح أن إسرائيل لا تكتفي بملاحقة حزب الله عسكريًا، بل تسعى إلى فرض وقائع ميدانية تجعل أي اتفاق أمريكي إيراني ناقصًا أو معلقًا على موافقتها الأمنية.
في هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية كريم مقدسي أن أي تسوية لا يمكن أن تنجح إذا بقيت القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، لأن الاحتلال نفسه يصبح مولدًا دائمًا للمقاومة والتصعيد.
وبالتوازي، تكشف خريطة السيطرة التي نشرتها إسرائيل عن نية واضحة لتوسيع منطقة النفوذ العسكري، مع ترك الباب مفتوحًا أمام ضربات خارجها، بما يعني تحويل الجنوب إلى مساحة أمنية بلا سيادة لبنانية.
لكن الأخطر أن المسؤولين الإسرائيليين يتحدثون عن مفاوضات صعبة مع واشنطن للإبقاء على قوات بعمق 10 كيلومترات داخل لبنان، وكأن الأرض اللبنانية بند تفاوضي لا حق سيادي لشعبها ودولتها.
إضافة إلى ذلك، أعلن حزب الله أنه تصدى لمحاولة تسلل إسرائيلية باتجاه مرتفع علي الطاهر، واستدرج قوة مدرعة ومشاة، قبل أن يعلن تدمير 3 دبابات ميركافا بصواريخ موجهة.
وعليه، فإن الرواية الميدانية للحزب تقلب ادعاء الاحتلال بأنه يتحرك دفاعيًا، لأن محاولة التقدم داخل الأراضي اللبنانية تعني أن إسرائيل تمارس هجومًا بريًا متدرجًا تحت ستار الردع.
في المقابل، تتعامل تل أبيب مع وقف إطلاق النار بوصفه أداة انتقائية، توقفه حين تحتاج غطاءً سياسيًا، وتخرقه حين تريد فرض خرائط جديدة، ثم تطالب الآخرين بضبط النفس.
ومن زاوية أخرى، تشير الباحثة رندا سليم إلى أن مسار التفاوض الأمريكي الإيراني يتأثر مباشرة بحسابات الجبهات الإقليمية، لأن لبنان لم يعد ملفًا جانبيًا بل جزءًا من معادلة الردع والضغط.
وبالتالي، فإن الدم اللبناني صار حاضرًا على طاولة جنيف قبل أن تبدأ، لأن كل غارة في النبطية أو حاروف تضعف الثقة في قدرة واشنطن على ضمان ما توقعه أو تعلنه.
فيما تكشف حصيلة الحرب منذ 2 مارس، التي بلغت 3912 شهيدًا و11,873 جريحًا، أن لبنان يواجه حرب استنزاف طويلة، لا مجرد ضربات محدودة كما تحاول إسرائيل تسويقها إعلاميًا.
كذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن انتهاكات حزب الله لا يلغي أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأثقل، وأن استهداف المنازل المأهولة يحوّل الأمن الإسرائيلي إلى ترخيص مفتوح للقتل والتدمير.
ومن جهة ثالثة، يرى الباحث مهند الحاج علي أن أي ضخ سياسي أو مالي إيراني جديد لحزب الله سيغير موازين الحركة، ما يفسر قلق إسرائيل من اتفاق يخفف الضغط عن طهران وحلفائها.
لذلك، تبدو الغارات الإسرائيلية محاولة استباقية لمنع حزب الله من التقاط أنفاسه، لكنها في الوقت نفسه تمنح الحزب مادة تعبئة جديدة وتعيد تأكيد معادلة الاحتلال والمقاومة داخل الجنوب.
فضلاً عن ذلك، فإن صمت بعض العواصم على قصف الأحياء السكنية يكشف انتقائية فاضحة، حيث تتحول السيادة اللبنانية إلى عبارة دبلوماسية باردة، بينما تفرض الدبابات والطائرات الوقائع فوق الأرض.
ومع ذلك، فإن اتساع الضحايا يضع الحكومة اللبنانية أمام امتحان صعب، بين عجز الدولة عن حماية سكان الجنوب، وضغط حزب الله لتثبيت معادلة ردع تمنع إسرائيل من التوغل أكثر.
إلى جانب ذلك، فإن واشنطن تبدو ممزقة بين رغبتها في إنقاذ اتفاقها مع إيران وبين عجزها المزمن عن كبح إسرائيل، ما يجعل أي تفاهم إقليمي رهينة القرار العسكري الإسرائيلي.
وفي المحصلة، لا تكشف غارات الجمعة عن تصعيد عسكري فقط، بل تكشف بنية كاملة من الإفلات الإسرائيلي من المحاسبة، حيث يصبح القصف وسيلة تفاوض، والاحتلال ضمانة، والضحايا مجرد أرقام في نشرات عاجلة.
ختامًا، فإن لبنان يقف أمام لحظة شديدة الخطورة، فإما أن يفرض الاتفاق احترام السيادة ووقف النار فعليًا، أو يتحول إلى غطاء جديد لحرب إسرائيلية أوسع تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عنده.

