كشف المركز المصري للدراسات الاقتصادية في مصر عن أزمة متكررة في نقص النقد داخل ماكينات الصراف الآلي، رغم ارتفاع سيولة البنوك، ما تسبب في طوابير وشكاوى وتعطيل احتياجات المواطنين خلال المواسم وبداية الشهور.
وبذلك، لا تبدو الأزمة مجرد خلل فني عابر، بل فضيحة إدارية تضرب ثقة الناس في الجهاز المصرفي، وتكشف فجوة قاسية بين أرقام السيولة المعلنة وحق المواطن في الوصول إلى ماله بسهولة.
سيولة ورقية لا تصل للناس
كما أن الدراسة تؤكد أن المشكلة لا ترتبط بندرة المال داخل البنوك، بل بسوء توزيع النقد بين الفروع والمناطق والماكينات، حيث تبقى السيولة حبيسة النظام المصرفي بينما يبحث المواطن عنها في الشارع.
لذلك، تتحول عبارة السيولة القياسية إلى وصف بلا قيمة اجتماعية، لأن المال الذي لا يصل وقت الحاجة يصبح رقمًا في التقارير، لا وسيلة لإنقاذ أسرة من تعطل مصروفاتها اليومية.
ومن ثم، تتكرر الأزمة مع صرف المرتبات والمعاشات وبداية الشهور، وهي مواعيد معروفة مسبقًا، ما يعني أن غياب الاستعداد ليس مفاجأة تشغيلية، بل ضعف في التخطيط وإدارة الطلب الموسمي.
غير أن البنوك تواصل الحديث عن التوسع الرقمي والشمول المالي، بينما يقف المواطن أمام ماكينة خاوية، في مشهد يختصر الفارق بين الخطاب الرسمي اللامع والخدمة اليومية المتعثرة على الأرض.
علاوة على ذلك، تظهر الأزمة بحدة في المناطق كثيفة السكان، حيث يرتفع الطلب على السحب النقدي سريعًا، بينما لا تتحرك عمليات التغذية النقدية بالسرعة نفسها، فيتضاعف الزحام ويزيد الغضب الشعبي.
بناء على ذلك، يصبح نقص النقد في الماكينات اختبارًا لكفاءة البنية المصرفية، لا لمستوى السيولة فقط، لأن وفرة الأموال داخل البنوك لا تعني شيئًا إذا فشلت في الوصول للمستخدم النهائي.
البنية الضعيفة وراء الطوابير
في هذا السياق، قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح إن ضغط السحب خلال الأعياد يؤدي إلى نفاد النقد سريعًا وزيادة أعطال الخدمة، وهو تفسير يؤكد أن الأزمة متوقعة وليست طارئة.
وبالتوازي، فإن معرفة البنوك بمواسم الضغط تجعل استمرار الطوابير دليلًا على ضعف الاستجابة، لأن الأعياد والرواتب والمعاشات ليست أحداثًا مفاجئة، بل دورات ثابتة يمكن إدارتها بالبيانات والتخطيط.
لكن الدراسة تلفت إلى ضعف الاعتماد على التحليلات التنبؤية في إدارة مخزون النقد، رغم أن التكنولوجيا قادرة على تحديد المناطق الأكثر طلبًا وتوقع أوقات الضغط قبل وقوع الأزمة فعليًا.
إضافة إلى ذلك، تكشف الفجوة بين ماكينة وأخرى داخل المنطقة نفسها عن خلل في توزيع النقد، حيث قد يجد المواطن ماكينة خاوية بجوار أخرى تعمل جزئيًا، دون تدخل سريع يعالج الاختناق.
وعليه، فإن الأزمة لا تخص ماكينة بعينها، بل منظومة كاملة تشمل البنوك وشركات نقل الأموال وغرف المتابعة، وكل طرف فيها يتأخر خطوة بينما يتحمل المواطن وحده كلفة الانتظار والتنقل.
في المقابل، أشار محمد الأتربي رئيس اتحاد بنوك مصر إلى امتلاك بنكي الأهلي ومصر آلاف الماكينات مع متابعة لحظية للسيولة، لكن ضخامة الشبكة لا تلغي سؤال الكفاءة وقت الذروة.
ومن زاوية أخرى، تكشف تصريحات الأتربي أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد الماكينات، بل في إدارتها وتغذيتها وتوزيعها جغرافيًا، لأن شبكة واسعة بلا استجابة مرنة تتحول إلى عبء.
كذلك، فإن الاعتماد على أنظمة تشغيل تقليدية في إدارة النقد لم يعد مناسبًا لاقتصاد سريع الحركة، حيث تتغير أنماط السحب خلال ساعات، بينما تتحرك بعض البنوك بمنطق إداري بطيء.
التحول الرقمي لا يغطي فشل النقد
لذلك، لا يجوز استخدام شعار التحول الرقمي لتبرير تراجع الخدمة النقدية، لأن قطاعات واسعة من المصريين لا تزال تعتمد على الكاش في المواصلات والأسواق والإنفاق اليومي وسداد الالتزامات الصغيرة.
فضلا عن ذلك، فإن الشمول المالي الحقيقي لا يعني دفع الناس نحو التطبيقات فقط، بل يعني ضمان حقهم في خدمة مصرفية مستقرة، سواء عبر الهاتف أو البطاقة أو ماكينة الصراف القريبة.
ومع ذلك، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف، فهو يسمع عن سيولة مرتفعة ومؤشرات مطمئنة، ثم يصطدم بماكينة ترفض السحب أو تنفد منها الأموال في أكثر توقيت يحتاج فيه للنقد.
إلى جانب ذلك، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن السيولة شريان اقتصادي لا مجرد رقم مالي، وأي اضطراب في تدفقها يتحول إلى ضغط مباشر على الثقة والاستقرار وحركة النشاط اليومي.
ومن هنا، فإن نقص النقد في الماكينات يضرب الثقة قبل أن يضرب الخدمة، لأن المواطن حين لا يستطيع سحب ماله يبدأ في الشك في قدرة المؤسسات على إدارة أبسط التفاصيل.
ثم إن المشكلة تكشف تناقضًا أوسع في إدارة الاقتصاد، حيث تتراكم الأرقام الجميلة داخل البيانات الرسمية، بينما يعاني الناس من خدمة مرتبكة في تفاصيل تمس الطعام والمواصلات والدواء والالتزامات الأسرية.
لذا، تحتاج الأزمة إلى نظام توزيع نقدي يعتمد على بيانات الطلب الفعلية، لا على جداول جامدة، مع زيادة مرونة تغذية الماكينات في المناطق الحيوية قبل المواسم لا بعدها.
وبالمثل، يجب تحسين التنسيق بين البنوك وشركات نقل الأموال، لأن أي تأخير في الشحن النقدي وقت الذروة يحول السيولة المتاحة إلى وعد مؤجل، ويترك المواطن أمام طابور بلا إجابة.
في النهاية، ليست أزمة ماكينات الصراف مجرد نقص في أوراق نقدية، بل عنوان لفشل إدارة الموارد، حين توجد السيولة داخل البنوك وتغيب عن يد المواطن في لحظة الحاجة الفعلية.
وخلاصة المشهد أن المواطن لا يسأل عن حجم السيولة في التقارير، بل عن قدرته على سحب راتبه ومعاشه دون إهانة أو دوران، وهذا ما عجزت المنظومة عن ضمانه حتى الآن.

