كشفت بيانات مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 أن خدمة الدين، من فوائد وأقساط قروض، تصل إلى نحو 5.227 تريليون جنيه، مقابل إيرادات عامة مستهدفة بنحو 4.054 تريليون جنيه، بما يعادل 128.9% من إيرادات الدولة.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام حقيقة لا تخفيها عبارات الفائض الأولي ولا وعود خفض الدين، لأن الموازنة الجديدة تبدأ من الاقتراض وتنتهي إليه، بينما يدفع المواطن ضريبة الأزمة عبر الضرائب والرسوم والأسعار وتراجع الإنفاق الحقيقي على الخدمات.
خدمة الدين تكسر الإيرادات قبل أن تبدأ الموازنة
تقدّر الحكومة الإيرادات العامة في موازنة 2026/2027 بنحو 4.054 تريليون جنيه، لكنها تضع في الجانب المقابل فوائد ديون بقيمة 2.419 تريليون جنيه، وسداد قروض محلية وأجنبية بقيمة 2.807 تريليون جنيه، بما يجعل خدمة الدين أكبر من الإيرادات كلها.
وهذا يعني أن أقساط القروض وحدها تمثل نحو 69.2% من الإيرادات العامة، بينما تمثل الفوائد وحدها نحو 59.7%، وعند جمعهما تصل خدمة الدين إلى 128.9% من الإيرادات، وهي نسبة تكشف اختناقًا ماليًا لا يمكن تغطيته إلا باقتراض جديد.
وتخدم قراءة الدكتور محمد فؤاد هذا المحور لأنها تركز على أن الاستدامة المالية لا تقاس برقم الدين وحده، بل بقدرة الإيرادات الجارية على النمو أسرع من خدمة الدين، وهي معادلة لا تحققها أرقام الموازنة الجديدة.
كما حذر فؤاد في أكثر من طرح اقتصادي من أن خفض أسعار الفائدة يمنح الحكومة مساحة مالية، لأن كل انخفاض في تكلفة الفائدة يخفف عبئًا كبيرًا عن الموازنة، لكن استمرار الفوائد عند هذا الحجم يبقي الإيرادات تحت حصار الدين.
وفي الاتجاه نفسه، يضع الخبير الاقتصادي وائل النحاس الأزمة داخل نموذج إدارة اقتصادية أوسع، إذ يرى أن إجراءات الحكومة جاءت غالبًا على حساب المواطن، وأن تغيير السياسات لا يعني تحميل الناس فاتورة الفشل المالي عبر الرسوم والأسعار.
وبذلك لا تبدو الموازنة وثيقة إنفاق عام، بل جدول سداد ضخم يترك للدولة هامشًا ضيقًا كي تنفق على الأجور والدعم والصحة والتعليم والاستثمار، بينما يحصل الدائنون على النصيب الأول قبل أي أولوية اجتماعية.
وتتحدث الحكومة عن خفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي، لكنها تستخدم نسبة الناتج المحلي لتخفيف وقع الأزمة، بينما تكشف نسبة خدمة الدين إلى الإيرادات أن الخزانة لا تملك مواردها قبل أن تسدد التزاماتها.
لذلك يصبح السؤال المركزي في الموازنة الجديدة ليس مقدار ما ستنفقه الحكومة، بل مقدار ما ستضطر لاقتراضه كي تسدد ديونًا قديمة، ثم تعيد تدوير الديون نفسها في صورة أذون وسندات جديدة.
العجز يجمل بالأرقام والدين يبتلع الحقيقة
تعلن الحكومة أن إجمالي المصروفات في مشروع موازنة 2026/2027 يبلغ نحو 5.176 تريليون جنيه، لكنها لا تدرج أقساط الدين ضمن المصروفات التقليدية، وهو ما يجعل العجز الكلي يبدو أقل من حجم الضغط الحقيقي على المال العام.
ويخدم رأي ممدوح الولي هذا العنوان بوضوح، لأنه انتقد طريقة عرض بيانات الموازنة، واعتبر أن الحكومة تبرز أرقامًا وتخفي أخرى داخل الجداول نفسها، خصوصًا حين تفصل فوائد الدين عن أقساطه عند الحديث عن العجز.
ويوضح الولي أن تكلفة الدين، عند احتساب الفوائد والأقساط معًا، تستحوذ على نحو 64% من استخدامات الموازنة، بينما تحصل باقي أبواب الإنفاق بكل تنوعها على نحو 36% فقط، وهي مفارقة تكشف انحياز الأرقام للدائنين لا للمواطنين.
وتزداد خطورة الصورة عندما تعتزم الحكومة اقتراض نحو 4.010 تريليون جنيه عبر إصدار أوراق مالية وقروض جديدة، لأن هذا الرقم يعني أن الدولة لا تمول تنمية مستقرة، بل تعيد فتح دفتر الدين حتى تسدد الديون القائمة.
وفي هذا السياق، تدعم قراءة الدكتورة سالي صلاح هذا المحور لأنها تضع الدين في قلب أزمة الإدارة، إذ تتعامل مع تضخم خدمة الدين باعتباره نتيجة لمسار طويل من غياب الأولويات وتقديم البقاء المالي المؤقت على الإصلاح الحقيقي.
وتكشف هذه القراءة أن المشكلة ليست في صعوبة الظروف العالمية فقط، لأن الحكومة اختارت خلال سنوات طويلة مشروعات مكلفة وسياسات اقتراض واسعة، ثم جاءت إلى المواطن اليوم تطلب منه قبول الضرائب والتضخم وخفض الدعم باسم ضبط الموازنة.
كما تكشف أرقام الموازنة أن الإيرادات الضريبية وحدها مستهدفة عند نحو 3.529 تريليون جنيه من إجمالي الإيرادات، بما يعني أن المواطن والقطاع الخاص يتحملان العبء الأكبر، بينما تتراجع قدرة الدولة على توليد موارد إنتاجية خارج الضرائب والقروض.
وعند هذه النقطة تصبح حجة الفائض الأولي ناقصة، لأن الفائض قبل الفوائد لا يعني تحسنًا في حياة الناس، إذا كانت الفوائد والأقساط بعده تلتهم الموارد وتدفع الدولة إلى دورة اقتراض جديدة.
ولذلك تبدو الموازنة كأنها تعاقب المجتمع مرتين، مرة عند تحصيل الضرائب والرسوم، ومرة عند تقليص قدرة الإنفاق على الخدمات، بينما لا تقدم الحكومة مراجعة جادة لأسباب تضخم الدين ولا لمسؤولية القرارات التي صنعته.
حلول الحكومة تعيد إنتاج الفخ ولا تكسره
تقدم الحكومة خطابًا مطمئنًا عن تراجع نسبة الدين للناتج المحلي، لكنها لا تواجه جوهر الأزمة، لأن خدمة الدين تجاوزت الإيرادات، وهذا يجعل نسبة الدين وحدها مؤشرًا مضللًا إذا لم تصاحبها قدرة حقيقية على السداد من موارد مستقرة.
وتدعم الدكتورة عالية المهدي هذا المحور عندما تؤكد أن أعباء الديون وصلت إلى مستويات خطيرة، وأن إجمالي الأقساط والفوائد تجاوز الإيرادات العامة في موازنات سابقة، بما يجبر الدولة على الاستدانة لسد الفجوة.
كما شددت المهدي على أن أي اقتراض جديد يجب أن يذهب إلى مجالات قادرة على السداد وتحقيق عائد حقيقي، وهي قاعدة تصطدم مع واقع توسع طويل في الاقتراض دون أثر إنتاجي كاف يرفع الإيرادات المستدامة.
وتتصل هذه الرؤية بما يطرحه الخبير الاقتصادي هاني توفيق، الذي يرى أن الخطر الأكبر لم يعد في الدين الخارجي وحده، بل في الدين المحلي الذي تضخمت فوائده وابتلعت مساحة الموازنة، بينما ظل العلاج الحكومي يدور حول تأجيل الأزمة.
ويرفض توفيق حلولًا مثل مقايضة الديون بأصول الدولة باعتبارها طرحًا غير منطقي، ويدعو بدلًا من ذلك إلى توسيع القاعدة الضريبية بضم الاقتصاد غير الرسمي ومواجهة التهرب، لا إلى بيع الأصول أو تحميل الملتزمين وحدهم فاتورة العجز.
وهنا تظهر حدود سياسة الحكومة الحالية، فهي ترفع الإيرادات أساسًا من الضرائب، وتواصل الاقتراض من السوق المحلي والخارجي، وتعلن أرقامًا كبيرة للحماية الاجتماعية، لكنها تترك أصل الأزمة قائمًا في خدمة دين تتضخم أسرع من قدرة الموازنة.
كما أن الاعتماد على الفائض الأولي لا يكفي لحماية الاقتصاد، لأن المواطن لا يعيش داخل معادلة محاسبية، بل داخل سوق ترتفع فيه الأسعار كلما زادت الرسوم وتكاليف التمويل وتراجعت قدرة الدولة على دعم الخدمات الأساسية.
وتكشف موازنة 2026/2027 أن الدولة أصبحت تدير الأزمة بمنطق الترحيل، فكل عام جديد يحمل سندات جديدة، وفوائد جديدة، وأقساطًا جديدة، ثم يظهر بيان رسمي جديد يطلب من الناس الثقة في مسار لم يخفض العبء عنهم.
وفي النهاية، لا يمكن اعتبار ابتلاع خدمة الدين 128.9% من الإيرادات مجرد رقم فني في بيان مالي، لأنه إعلان واضح عن دولة تعمل لصالح الدائنين أولًا، ثم تبحث عما يتبقى للمواطن بعد ذلك.
وتبقى أخطر دلالة في الموازنة الجديدة أن الحكومة لم تعد تواجه فجوة عابرة، بل تواجه نموذجًا كاملًا صنع أزمة الدين ثم يطلب من المجتمع تمويل استمرارها، من دون مصارحة سياسية أو مراجعة إنفاق أو محاسبة على اختيارات السنوات الماضية.

