في الدول الديمقراطية، لا تتهرب الحكومات المنتخبة من مسؤولياتها تجاه شعوبها، ولا تختلق المبررات للتهرب من واجباتها، ولا تبحث عن شماعات تعلق عليها فشلها، بل تعمل بكل ما أوتيت من قوة على كسب ثفة المواطن، والعمل على راحته، وتذليل المشكلات التي تعترضه، إدراكًا منها بأنها منوطة بخدمته في المقام الأول.
لكن في مصر حيث وئدت التجربة الديمقراطية في مهدها، تتعالى حكومة الانقلاب على الشعب، وتنظر بازدراء إليه عند مطالبته بحقوقه الأساسية، وتتعامل مع الضروريات الحياتية على أنها من الكماليات والرفاهية التي يمكن الاستغناء عنها، ولا ينبغي أن يتمسك بها المواطن.
الحكومة تتهرب من مسؤولياتها
وتعكس التصريحات الحكومية المتكررة محاولة للتهرب من دورها المنوط بها، حيث لا ينبغي للمواطن أن يطالب بشيء يراه مستحقًا، ولا يصح أن ينادي بحقه في عيش حياة كريمة آدمية.
قبل أيام، أدلى مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بتصريحات ترجمها محللون إلى أنها تنذر باقتراب التخلي عن فكرة الدعم تمامًا، بعد أن بدت نذر ذلك بالإعلان عن التحول إلى الدعم النقدي بدلاً من الدعم العيني بدءًا من الشهر المقبل، وشطب أكثر من 850 ألف مستحق للدعم، بدعاوى مختلفة.
وعلى الرغم من أن الدعم يمتد إلى عقود خلت، والذي كانت تقدمه الدولة في شكل سلع تموينية، إلا أن مدبولي أكد في تصريحاته أن هذا لن يستمر للأبد: "مفيش دعم مستمر إلى الأبد ويجب أن يكون برنامج الدعم النقدى ديناميكي وبعد تحسن ظروف الأسر يتم نقلها إلى شريحة جديدة فى الدعم النقدي". وأضاف: "مينفعش يفضل عندى دعم بالـ 30 و40 سنة لأسر مش عارفين تستحق ولا لأ".
المفارقة أن مصر شهدت في عهد حكومات مدبولي المتوالية سلسلة من موجات التضخم القياسية التي لا مثيل لها في تاريخها الحديث، بلغت ذروتها في الربع الأخير من عام 2023؛ حيث سجل التضخم العام مستويات تاريخية قاربت 38%، بينما قفز التضخم الأساسي إلى نحو 41% في منتصف العام ذاته.
وإذا كان مدبولي يتهرب من مسؤولية الدولة عن دعم المواطن للأبد، فإنه في المقابل يراوغ ويتهرب من تحميله مسؤولية موجات الغلاء التي عجز ملايين المصريين عن مواكبتها، ودفعت الكثيرين إلى التنازل مضطرين عن أشياء ضرورية لا غنى عنها في قائمة الاحتياجات المعيشية اليومية، وأصبح أقصى أماني المواطنين التعامل مع احتياجاته بشكل يومي، وليس بشكل شهري.
وعود غير حقيقية
في مصر، حيث لا يملك للمواطن مساءلة الحكومة، ولا يجرأ برلمان على محاسبة رئيس الوزراء، أو وزير، لا يحق لأحد أن يتساءل: متى تتحقق الوعود الحكومية بالرفاهية للمواطن؟، ومتى يصبح المواطن قادرًا على الإيفاء بمتطلباته واحتياجاته؟
المؤكد أن مدبولي وأعضاء حكومته لا يدركون حجم الألم والمعاناة التي يتكبدها المصريون بفضل سياسات حكومية لم يقروها، ولم يكن لهم دخل في تمريرها، حتى تجاوزت الديون الخارجية 165 مليار دولار، وفي ظل تآكل القيمة الشرائية للجنيه، خلال السنوات العشر الأخير حتى أصبح الدولار يعادل ما قيمته 50 جنيهًا.
وإذا كان لا يوجد حكومة تستمر في دعم مواطنيها للأبد، كما يقول مدبولي، فإنه من باب أولى لا توجد حكومة تعمل على إفقار مواطنيها، وتكون سببًا في كل هذا البؤس الذي يعانيه، وتظل في موقعها تواصل عملها بكل أريحية واطمئنان.

